الحديث . هكذا قال الإمام أحمد . وقد روى البخاري هذا الحديث في كتاب المغازي من صحيحه
عن ابن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري عن عروة عن عائشة كما تقدم ، وزاد ، فلما
توفيت دفنها علي ليلا ولم يؤذن أبا بكر وصلى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما
توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر ،
فأرسل إلى أبي بكر إيتنا ولا يأتنا معك أحد ، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر . فقال عمر :
والله لا تدخل عليهم وحدك . قال أبو بكر : وما عسى أن يصنعوا بي ؟ والله لآتينهم . فانطلق أبو بكر
رضي الله عنه وقال إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ،
ولكنكم استبددتم بالامر وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لنا في هذا الامر نصيبا ، فلم يزل
علي يذكر حتى بكى أبو بكر رضي الله عنه . وقال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب
إلي أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بينكم في هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الخير ، ولم أترك
أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته . فلما صلى أبو بكر رضي الله عنه الظهر رقي على المنبر فتشهد
وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر به ، وتشهد علي رضي الله عنه فعظم حق أبي
بكر وذكر فضيلته وسابقته ، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ، ثم قام إلى أبي
بكر رضي الله عنهما فبايعه . فأقبل الناس على علي فقالوا : أحسنت ، وكان الناس إلى علي قريبا حين
راجع الامر بالمعروف . وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق متعددة عن
الزهري عن عروة عن عائشة بنحوه . فهذه البيعة التي وقعت من علي رضي الله عنه ، لأبي بكر
رضي الله عنه ، بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها ، بيعة مؤكدة للصلح الذي وقع بينهما ، وهي ثانية
للبيعة التي ذكرناها أولا يوم السقيفة كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج ، ولم يكن علي
مجانبا لأبي بكر هذه الستة الأشهر ، بل كان يصلي وراءه ويحضر عنده للمشورة ، وركب معه إلى
ذي القصة كما سيأتي . وفي صحيح البخاري : أن أبا بكر رضي الله عنه صلى العصر بعد وفاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال ، ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن علي يلعب مع الغلمان ، فاحتمله على
كاهله وجعل يقول : يا بأبي شبه النبي ، ليس شبيها بعلي . وعلي يضحك . ولكن لما وقعت هذه
البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها فنفى ذلك ، والمثبت مقدم على النافي كما تقدم
وكما تقرر . والله أعلم . وأما تغضب فاطمة رضي الله عنها وأرضاها على أبي بكر رضي الله عنه
وأرضاه فما أدري ما وجهه ، فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث فقد اعتذر إليها بعذر يجب
قبوله وهو ما رواه عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا نورث ما تركنا صدقة " وهي ممن تنقاد لنص
الشارع الذي خفي عليها قبل سؤالها الميراث كما خفي على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخبرتهن عائشة
بذلك ، ووافقنها عليه ، وليس يظن بفاطمة رضي الله عنها أنها اتهمت الصديق رضي الله عنه فيما
أخبرها به ، حاشاها وحاشاه من ذلك ، كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب ،
وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، وعبد الرحمن بن عوف ،
البداية والنهاية — صفحة 307
مساهمون: ابن كثير
ص٣٠٧