تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
حدثنا يا أبا ثور . قال بينا أنا في الجاهلية إذ جهدني الجوع فأقحمت فرسي في البرية فما أصبت الأبيض النعام ، فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربي في خيمة ، وإلى جانبه جارية كأنها شمس طالعة ومعه غنيمات له ، فقلت له استأسر ثكلتك أمك . فرفع رأسه إلي وقال : يا فتى إن أردت قرى فأنزل ؟ وإن أردت معونة أعناك ؟ فقلت له استأسر فقال : عرضنا عليك النزل منا تكرما * فلم ترعوي جهلا كفعل الأشائم ( 1 ) وجئت ببهتان وزور ودون ما * تمنيته بالبيض حز الغلاصم ( 2 ) قال ووثب إلي وثبة وهو يقول : بسم الله الرحمن الرحيم . فكأني مثلت تحته . ثم قال أقتلك أم أخلي عنك ؟ قلت بل خل عني قال فخلي عني . ثم إن نفسي جاذبتني بالمعاودة . فقلت استأسر ثكلتك أمك فقال : ببسم الله والرحمن فزنا * هنالك والرحيم به قهرنا وما تغني جلادة ذي حفاظ * إذا يوما لمعركة برزنا ثم وثب لي وثبة كأني مثلت تحته . فقال أقتلك أم أخلي عنك ؟ قال : قلت : بل خل عني . فخلى عني فانطلقت غير بعيد . ثم قلت في نفسي يا عمرو أيقهرك هذا الشيخ . والله للموت خير لك من الحياة ، فرجعت إليه فقلت له استأسر ثكلتك أمك . فوثب إلي وثبة وهو يقول بسم الله الرحمن الرحيم ، فكأني مثلت تحته ، فقال أقتلك أم أخلي عنك ؟ قلت بل خل عني فقال : هيهات ، يا جارية إئتيني بالمدية فأتته بالمدية فجز ناصيتي ، وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزت ناصيته استعبدته ، فكنت معه أخدمه مدة . ثم إنه قال يا عمرو أريد أن تركب معي البرية وليس بي منك وجل ، فإني ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق ، قال : فسرنا حتى أتينا واديا أشبا مهولا مغولا . فنادى بأعلى صوته : بسم الله الرحمن الرحيم . فلم يبق طير في وكره إلا طار . ثم أعاد القول فلم يبق سبع في مربضه إلا هرب ، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشي قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السحوق ، فقال لي : يا عمرو إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم . قال فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي باللات والعزى فلم يصنع الشيخ شيئا ، فرجع إلي وقال : قد علمت أنك قد خالفت قولي . قلت أجل ولست بعائد ، فقال إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي : ببسم الله الرحمن الرحيم ، فقلت أجل فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم ، فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه فاشتق بطنه فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الأسود ثم قال يا عمرو هذا غشه وغله ( 3 ) . ثم قال أتدري من
هامش
( 1 ) ارعوى : اهتدى بعد ضلال . ( 2 ) الغلاصم : اللحم بين الرأس والعنق . والبيض : المراد هنا : ابنته وحريمه . ( 3 ) الغل : الحقد ; والغش .
البداية والنهاية — صفحة 421 | ابن كثير / علي شيري