حدثنا يا أبا ثور . قال بينا أنا في الجاهلية إذ جهدني الجوع فأقحمت فرسي في البرية فما أصبت
الأبيض النعام ، فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربي في خيمة ، وإلى جانبه جارية كأنها شمس طالعة
ومعه غنيمات له ، فقلت له استأسر ثكلتك أمك . فرفع رأسه إلي وقال : يا فتى إن أردت قرى
فأنزل ؟ وإن أردت معونة أعناك ؟ فقلت له استأسر فقال :
عرضنا عليك النزل منا تكرما * فلم ترعوي جهلا كفعل الأشائم ( 1 )
وجئت ببهتان وزور ودون ما * تمنيته بالبيض حز الغلاصم ( 2 )
قال ووثب إلي وثبة وهو يقول : بسم الله الرحمن الرحيم . فكأني مثلت تحته . ثم قال أقتلك
أم أخلي عنك ؟ قلت بل خل عني قال فخلي عني . ثم إن نفسي جاذبتني بالمعاودة . فقلت استأسر
ثكلتك أمك فقال :
ببسم الله والرحمن فزنا * هنالك والرحيم به قهرنا
وما تغني جلادة ذي حفاظ * إذا يوما لمعركة برزنا
ثم وثب لي وثبة كأني مثلت تحته . فقال أقتلك أم أخلي عنك ؟ قال : قلت : بل خل
عني . فخلى عني فانطلقت غير بعيد . ثم قلت في نفسي يا عمرو أيقهرك هذا الشيخ . والله للموت
خير لك من الحياة ، فرجعت إليه فقلت له استأسر ثكلتك أمك . فوثب إلي وثبة وهو يقول
بسم الله الرحمن الرحيم ، فكأني مثلت تحته ، فقال أقتلك أم أخلي عنك ؟ قلت بل خل عني
فقال : هيهات ، يا جارية إئتيني بالمدية فأتته بالمدية فجز ناصيتي ، وكانت العرب إذا ظفرت
برجل فجزت ناصيته استعبدته ، فكنت معه أخدمه مدة . ثم إنه قال يا عمرو أريد أن تركب معي
البرية وليس بي منك وجل ، فإني ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق ، قال : فسرنا حتى أتينا واديا
أشبا مهولا مغولا . فنادى بأعلى صوته : بسم الله الرحمن الرحيم . فلم يبق طير في وكره إلا طار .
ثم أعاد القول فلم يبق سبع في مربضه إلا هرب ، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشي قد خرج
علينا من الوادي كالنخلة السحوق ، فقال لي : يا عمرو إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي
ببسم الله الرحمن الرحيم . قال فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي باللات والعزى فلم يصنع
الشيخ شيئا ، فرجع إلي وقال : قد علمت أنك قد خالفت قولي . قلت أجل ولست بعائد ، فقال
إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي : ببسم الله الرحمن الرحيم ، فقلت أجل فلما رأيتهما قد اتحدا
قلت غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم ، فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه فاشتق بطنه
فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الأسود ثم قال يا عمرو هذا غشه وغله ( 3 ) . ثم قال أتدري من
هامش
( 1 ) ارعوى : اهتدى بعد ضلال .
( 2 ) الغلاصم : اللحم بين الرأس والعنق . والبيض : المراد هنا : ابنته وحريمه .
( 3 ) الغل : الحقد ; والغش .