تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
الله لما أراد هدى زيد بن سعية قال زيد لم يبق شئ من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم ، حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله ، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما . قال فكنت أتلطف له لان أخالطه فأعرف حلمه وجهله ، فذكر قصة إسلافه للنبي صلى الله عليه وسلم مالا في ثمرة ، قال فلما حل الاجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه - وهو في جنازة مع أصحابه - ونظرت إليه بوجه غليظ ، وقلت : يا محمد ألا تقضيني حقي ؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطل ، قال فنظر إلى عمر وعيناه يدوران في وجهه كالفلك المستدير . ثم قال يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع ، وتفعل ما أرى ؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم . ثم قال : " أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر ، أن تأمرني بحسن الأداء ، وتأمره بحسن التباعة ، اذهب به يا عمر فاقضه حقه . وزد عشرين صاعا من ثمر " فأسلم زيد بن سعية رضي الله عنه . وشهد بقية المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي ، عام تبوك رحمه الله . ثم ذكر ابن إسحاق رحمه الله : إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه فقال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن عبد الله بن عباس . قال حدثني سلمان الفارسي - من فيه - قال : كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية يقال لها جي ( 1 ) وكان أبي دهقان ( 2 ) قريته وكنت أحب خلق الله إليه ، فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية ، واجتهدت في المجوسية ، حتى كنت قطن ( 3 ) النار التي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة . قال وكانت لأبي ضيمة عظيمة ، قال فشغل في بنيان له يوما فقال لي يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها فاطلعها ، وأمرني فيها ببعض ما يريد . ثم قال لي ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي ، وشغلتني عن كل شئ من أمري . قال فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها ، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون . وكنت لا أدري ما أمر الناس ، لحبس أبي إياي في بيته ، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم . وقلت هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه ، فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها . ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين ؟ قالوا بالشام ، فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي ، وشغلته عن أمره كله . فلما جئت قال : أي بني أين كنت ألم أكن أعهد إليك ما عهدته ؟ قال قلت
هامش
( 1 ) جي : اسم مدينة ناحية أصبهان القديمة ، وهي الآن خراب منفردة ، وتسمى الآن عند العجم شهرستان وعند المحدثين المدينة . معجم البلدان 2 / 202 وفي رواية أنه من رامهرمز فلعله ولد بها ونشأ في جي كما في دلائل أبي نعيم ( 213 ) . ( 2 ) الدهقان : معربة وهو شيخ القرية ، العارف بالفلاحة وما يصلح الأرض من الشجر يلجأ إليه في معرفة ذلك . ( 3 ) قطن النار : خادمها الذي يخدمها ويمنعها من أن تخبو .