الديار المصرية قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح ، وقد سبقه التقليد بقضاء القضاة مع خاله
تاج الدين يحكم فيه مستقلا معه ومنفردا بعده .
وفي شهر الله المحرم رسم نائب السلطنة بتخريب قريتين من وادي التيم وهم مشغرا
وتلبتاثا ، وسبب ذلك أنهما عاصيان وأهلهما مفسدان في الأرض ، والبلدان والأرض حصينان لا
يصل إليهما إلا بكلفة كثيرة لا يرتقي إليهما إلا فارس فارس ، فخربتا وعمر بدلهما في أسفل
الوادي ، بحيث يصل إليهما حكم الحاكم والطلب بسهولة ، فأخبرني الملك صلاح الدين بن
الكامل أن بلدة تلبتاثا عمل فيها ألف فارس ، ونقل نقضها إلى أسفل الوادي خمسمائة حمار عدة
أيام .
وفي يوم الجمعة سادس صفر بعد صلاة صلي على قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن
قاضي القضاة شرف الدين أحمد ابن أقضى القضاة بن الحسين المزي الحنفي ، وكانت وفاته ليلة
الجمعة المذكورة بعد مرض قريب من شهر ، وقد جاوز الأربعين بثلاث من السنين ، ولي قضاء
قضاة الحنفية ، وخطب بجامع يلبغا ، وأحضر مشيخة النفيسية ، ودرس بأماكن من مدارس
الحنفية ، وهو أول من خطب بالجامع المستجد داخل باب كيسان بحضرة نائب السلطنة .
وفي صفر كانت وفاة الشيخ جمال الدين عمر بن القاضي عبد الحي بن إدريس الحنبلي
محتسب بغداد ، وقاضي الحنابلة بها ، فتعصبت عليه الروافض حتى ضرب بين يدي الوزارة ضربا
مبرحا ، كان سبب موته سريعا رحمه الله ، وكان من القائمين بالحق الآمرين بالمعروف والناهين عن
المنكر ، من أكبر المنكرين على الروافض وغيرهم من أهل البدع رحمه الله ، وبل بالرحمة ثراه .
وفي يوم الأربعاء تاسع صفر حضر مشيخة النفيسية الشيخ شمس الدين بن سند ، وحضر
عنده قاضي القضاة تاج الدين وجماعة من الأعيان ، وأورد حديث عبادة بن الصامت " لا صلاة لمن
لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ( 1 ) أسنده عن قاضي القضاة المشار إليه .
وجاء البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة تاج الدين إلى هناك ، فسير أهله قبله
على الجمال ، وخرجوا يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول جماعة من أهل بيتهم لزيارة أهاليهم
هناك ، فأقام هو بعدهم إلى أن قدم نائب السلطنة من الرحبة وركب على البريد . وفي يوم الاثنين
خامس عشر جمادى الآخرة رجع قاضي القضاة تاج الدين السبكي من الديار المصرية على البريد
وتلقاه الناس إلى أثناء الطريق ، واحتفلوا للسلام عليه وتهنئته بالسلامة انتهى . والله أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الصلاة ح ( 42 ) وأبو داود في الصلاة باب ( 132 ) والترمذي في الصلاة باب ( 116 ) والإمام أحمد
في المسند 2 / 308 ، 428 ، 443 .