صرح فحصروهم هنالك ، ثم ولت الاعراب فرارا ولم يقتل من الترك أحد ، وإنما جرح منهم أمير
واحد فقط ، وقتل من الاعراب فوق الخمسين نفسا .
وقدم الحجاج يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرم ، ودخل المحمل السلطاني ليلة الاثنين
بعد العشاء ، ولم يحتفل لدخوله كما جرت به العادة ، وذلك لشدة ما نال الركب في الرجعة من بريز
إلى هنا من البرد الشديد ، بحيث إنه قد قيل إنه مات منهم بسبب ذلك نحو المائة ، فإنا لله وإنا إليه
راجعون ، ولكن أخبروا برخص كثير وأمن ، وبموت نفسة أخي عجلان صاحب مكة ، وقد
استبشر بموته أهل تلك البلاد لبغيه على أخيه عجلان العادل فيهم انتهى والله أعلم .
منام غريب جدا
ورأيت - يعنى المصنف - في ليلة الاثنين الثاني والعشرين من المحرم سنة ثلاث وستين
وسبعمائة الشيخ محيي الدنين النواوي رحمه الله فقلت له : يا سيدي الشيخ لم لا أدخلت في شرحك
المهذب شيئا من مصنفات ابن حزم ؟ فقال ما معناه : إنه لا يحبه ، فقلت له : أنت معذور فيه فإنه
جمع بين طرفي النقيضين في أصوله وفروعه ، أما هو في الفروع فظاهري جامد يابس ، وفي لأصول
تول مائع قرمطة القرامطة وهرس الهرائسة ، ورفعت بها صوتي حتى سمعت وأنا نائم ، ثم أشرت
له إلى أرض خضراء تشبه النخيل بل هي أردأ شكلا منه ، لا ينتفع بها في استغلال ولا رعي ،
فقلت له : هذه أرض ابن حزم التي زرعها قال : أنظر هل ترى فيها شجرا مثمرا أو شيئا ينتفع
به ، فقلت : إنما تصلح للجلوس عليها في ضوء القمر . فهذا حاصل ما رأيته ، ووقع في خلدي
أن ابن حزم كان حاضرنا عندما أشرت للشيخ محيي الدين إلى الأرض المنسوبة لابن حزم ، وهو
ساكت لا يتكلم .
وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر خلع على القاضي عماد الدين بن الشيرجي
بعود الحسبة إليه بسبب ضعف علاء الدين الأنصاري عن القيام بها لشغله بالمرض المدنف ، وهنأه
الناس على العادة . وفي يوم السبت السادس والعشرين من صفر توفي الشيخ علاء الدين
الأنصاري المذكور بالمدرسة الأمينية ، وصلي عليه الظهر بالجامع الأموي ، ودفن بمقابر باب الصغير
خلف محراب جامع جراح ، في تربة هنالك ، وقد جاوز الأربعين سنة ، ودرس في الأمينية وفي
الحسبة مرتين وترك أولادا صغارا وأموالا جزيلة سامحه الله ورحمه ، وولي المدرسة بعده قاضي
القضاة تاج الدين بن السبكي بمرسوم كريم شريف .
وفي العشر الأخير من صفر بلغنا وفاة قاضي قضاة المالكية الأخنائي ( 1 ) بمصر وتولية أخيه
هامش
( 1 ) وهو تاج الدين بن علم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران الأخنائي ( بدائع الزهور 1 / 587 ) .