وستمائة ببالس ( 1 ) ، وسمع من أصحاب ابن طبرزد ، وكان شيخا جليلا بشوش الوجه حسن
السمت ، مقصدا لكل أحد كثير ، الوقار عليه سيما العبادة والخير ، وكان يوم قازان في جملة من
كان مع الشيخ تقي الدين بن تيمية لما تكلم مع قازان ، فحكى عن كلام شيخ الاسلام تقي
الدين لقازان وشجاعته وجرأته عليه ، وأنه قال لترجمانه قل للقان : أنت تزعم أنك مسلم ومعك
مؤذنون وقاض وإمام وشيخ على ما بلغنا فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا ؟ وأبوك وجدك هلاكو كانا
كافرين وما غزوا بلاد الاسلام ، بل عاهدوا قومنا ، وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت .
قال : وجرت له مع قازان وقطلوشاه وبولاي أمور ونوب ، قام ابن تيمية فيها كلها لله ، وقال الحق
ولم يخش إلا الله عز وجل . قال وقرب إلى الجماعة طعاما فأكلوا منه إلا ابن تيمية فقيل له ألا
تأكل ؟ فقال : كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من
أشجار الناس ، قال : ثم إن قازان طلب منه الدعاء فقال في دعائه " اللهم إن كان هذا عبدك
محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملكه البلاد
والعباد ، وإن كان إنما قام رياء وسمعة وطلبا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذل الاسلام وأهله
فأخذ له وزلزله ودمره وأقطع دبره " قال : وقازان يؤمن على دعائه ، ويرفع يديه . قال : فجعلنا
نجمع ثيابنا خوفا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله . قال : فلما خرجنا من عنده قال له قاضي
القضاة نجم الدين بن صصرى وغيره : كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك ، والله لا نصحبك من
هنا ، فقال : وأنا والله لا أصحبكم . قال : فانطلقنا عصبة وتأخر هو في خاصة نفسه ومعه جماعة
من أصحابه ، فتسامعت به والخواقين والأمراء من أصحاب قازان فأتوه يتبركون بدعائه ، وهو سائر
إلى دمشق ، وينظرون إليه ، قال والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه ،
وكنت أنا من جملة من كان معه ، وأما أولئك الذي أبوا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعه من التتر
فشلحوهم عن آخرهم ، هذا كلام أو نحوه ، وقد سمعت هذه الحكاية من جماعة غيره ، وقد
تقدم ذلك . توفي الشيخ محمد بن قوام ليلة الاثنين الثاني والعشرين من صفر بالزاوية المعروفة بهم
غربي الصالحية والناصرية والعادلية ، وصلي عليه بها ودفن بها وحضر جنازته ودفنه خلق كثير وجم
غفير ، وكان من جملة الجمع الشيخ تقي بن تيمية ، لأنه كان يحبه كثيرا ، ولم يكن للشيخ
محمد مرتب على الدولة ولا غيرهم ، ولا لزاويته مرتب ولا وقف ، وقد عرض عليه ذلك غير مرة
فلم يقبل ، وكان يزار ، وكان لديه علم وفضائل جمة ، وكان فهمه صحيحا ، وكانت له معرفة
تامة ، وكان حسن العقيدة وطويته صحيحة محبا للحديث وآثار السلف ، كثير التلاوة والجمعية على
الله عز وجل ، وقد صنف جزءا فيه أخبار جيدة ، رحمه الله وبل ثراه بوابل الرحمة آمين .
هامش
( 1 ) بالس بلدة بالشام بين حلب والرقة ( معجم البلدان ) .