أسرار الحج وذكرياته
في كل مظهر من مظاهر الحج وفي كل مجال من مجالاته ، تتجلى فيه العبودية لله ويظهر أثرها بارزاً ملحوظاً ، ففي أداء الشعائر والتلبس بالطاعات من تجرد عن الثياب وحسر عن الرؤوس وفي الطواف بالبيت واستلام أركانه وفي موقف عرفات ومزدلفة ومنى في ذل وخضوع وتضرع وخشوع ، وفي رمي الجمار والذبح أو النحر وما إليه في جميع ذلك مظهر العبودية لرب العباد وبارئهم ، وإفراد له بالعبادة وحده دون سواه ، تلك العبودية هي سر علة الوجود وهدفه الأسمى . قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) } [ الذاريات : 56 - 58 ] .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : " لَبَّيْكَ بِحِجّةٍ تَعَبداً ورِقَّاً " . ثم إن الرحلة إلى بيت الله الحرام وبقية المشاعر تعطي صورة رمزية لعالم آخر وحياة أخرى ، والغرض من إعطاء هذه الصورة هو دوام التذكر أبداً والبعد عن الغفلة وعدم الركون إلى الدنيا ، وأخذ العبرة للاستعداد والتشمير عن ساعد الجد للتزود من الأعمال الصالحة ، وادخارها لحياة باقية سعيدة وعيش رغيد لا يفنى ولا يبيد طول الأمد .
فالحاج إذ يسلك في طريقه إلى الحج المفاوز ويجتاز المخاوف والصعاب لا يكون له ما يسليه ويروِّح عنه ويربط جأشه في رحلته ، حتى يبلغ
الإيضاح في مناسك الحج والعمرة — صفحة 30
مساهمون: النووي
ص٣٠