ثم نعطف عنان القول فنقول : قوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } وأنتم قد قلتم : إنه أكبر من العرش مقدارا ، كيف يشتمل ( 1 ) عليه ظل الغمام ؟ وكيف يأتي الحق مع الخلق يوم الفصل أو يأتي البنيان وهو أكبر من العرش ، والعرش أكبر من السماوات والأرض ؟ وقوله : { الرحمن على العرش استوى } يقال لهم : قال الله : { ثم استوى على العرش } ما العرش ؟ وما معنى استوى ؟ وينبغي أن تعلموا كلكم أنتم وهم قبل وبعد أن بناء " ظ ه ر " مفيد في العربية لكل شيء خرج عن حد الخفاء والجهل إلا العلم ، كان من المحسوس يخفى على البصر والسمع وسائر الحواس ، أو من المعاني يخفى ( 2 ) على العقل . فاحذروا من يأخذ الظاهر فيجعله في حد الباطن بتأويله له ، أو يحكم بظاهر على معنى هو خفي ، فلما قال : { الرحمن على العرش استوى } كان معناها هنا في المطلوب ثلاثة ( 3 ) معان : معنى الرحمن ، ومعنى استوى ، ومعنى العرش ، فأما الرحمن فمعلوم لا خلاف فيه ولا كلام . وأما العرش فهو في العربية لمعان فأيها تريدون ، وكذا استوى عليه ، يحتمل ( 4 ) خمسة عشر معنى في اللغة ، فأيها تريدون ؟ أو أيها تدعون ظاهرا منها ؟ ولم قلتم : إن العرش ها هنا المراد به مخلوق مخصوص ؟ فادعيتموه على العربية والشريعة ، ولم قلتم : إن معنى استوى ، قعد أو جلس ؟ فتحكمون باتصاله به ، ثم تقولون إنه أكبر منه من غير ظاهر ، ولم يكن عظيما بقدر ( 5 ) جسمي حتى تقولوا : إنه أكثر ( 6 ) أجزاء منه . ثم تحكمكم ( 7 ) بأنه أكبر منه بأربع أصابع ، تحكم لا معنى له . وكنت أقضي عجبا من هذه النازلة حتى وردت من المشرق سنة خمس وتسعين ( 8 ) فرأيت غريبة مغربية دفعها ( 9 ) إلي عبد الله ( 10 ) بن منصور القاضي ، فيها كلام لبعض منتحلي صناعة الكلام
هامش
( 1 ) ب : يشمل .
( 2 ) ز : كتب على الهامش : خفي عن العقل .
( 3 ) كذا في جميع النسخ .
( 4 ) ب : ولفظ استوى معه محتمل .
( 5 ) ز : بقدرن .
( 6 ) ب : أكبر .
( 7 ) ب : تحكمهم .
( 8 ) أي سنة 495 ه - .
( 9 ) ز : في الهامش : عله : رفعها .
( 10 ) ب ، ز : كتب على الهامش : في نسخة : عبد الملك .