أَقْبَلَ ابْنُ قُمَيْئَةَ . وَقَدْ وَلَّى النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ . يَصِيحُ : دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ فَلا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا . فَاعْتَرَضَ لَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَنَاسٌ مَعَهُ . فَكُنْتُ فِيهِمْ فَضَرَبَنِي هَذِهِ الضَّرْبَةَ وَلَقَدْ ضَرَبْتُهُ عَلَى ذَلِكَ ضَرَبَاتٍ وَلَكِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ كَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ .
فَكَانَ ضَمْرَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَازِنِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ جَدَّتِهِ . وَكَانَتْ قَدْ شَهِدَتْ أُحُدًا تَسْقِي الْمَاءَ . [ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : لَمَقَامُ نُسَيْبَةَ بِنْتِ كَعْبٍ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْ مَقَامِ فُلانٍ وَفُلانٍ ] . وَكَانَ يَرَاهَا يَوْمَئِذٍ تُقَاتِلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ وَإِنَّهَا لَحَاجِزَةٌ ثَوْبَهَا عَلَى وَسَطِهَا حَتَّى جُرِحَتْ ثَلاثَةَ عَشَرَ جُرْحًا . وَكَانَتْ تَقُولُ : إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى ابْنِ قُمَيْئَةَ وَهُوَ يَضْرِبُهَا عَلَى عَاتِقِهَا . وَكَانَ أَعْظَمَ جِرَاحِهَا فَدَاوَتْهُ سَنَةً . ثُمَّ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ إِلَى حَمْرَاءَ الأَسَدِ فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَمَا اسْتَطَاعَتْ مِنْ نَزْفِ الدَّمِ . وَلَقَدْ مَكَثْنَا لَيْلَتَنَا نُكَمِّدُ الْجَرَّاحَ حَتَّى أَصْبَحْنَا . فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْحَمْرَاءِ مَا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ الْمَازِنِيِّ يَسْأَلُ عَنْهَا فَرَجَعَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ بِسَلامَتِهَا .
فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ قَالَ :
قَالَتْ أُمُّ عُمَارَةَ : قَدْ رَأَيْتُنِي وَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا بَقِيَ إِلا فِي نُفَيْرٍ مَا يُتِمُّونَ عَشْرَةً . وَأَنَا وَابْنَايَ وَزَوْجِي بَيْنَ يَدَيْهِ نَذُبُّ عَنْهُ . وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بِهِ مُنْهَزِمِينَ .
وَرَآنِي لا تُرْسَ مَعِي فَرَأَى رَجُلا مُوَلِّيًا مَعَهُ تُرْسٌ فَقَالَ لِصَاحِبِ التُّرْسِ : أَلْقِ تُرْسَكَ إِلَى مَنْ يُقَاتِلُ . فَأَلْقَى تُرْسَهُ فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُ أَتَتَرَّسُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ . وَإِنَّمَا فَعَلَ بِنَا الأَفَاعِيلُ أَصْحَابُ الْخَيْلِ . لَوْ كَانُوا رَجَّالَةً مِثْلَنَا أَصَبْنَاهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَيُقْبِلُ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ فَضَرَبَنِي وَتَتَرَّسْتُ لَهُ فَلَمْ يَصْنَعْ سَيْفُهُ شَيْئًا . وَوَلَّى . وَأَضْرِبُ عُرْقُوبَ فَرَسِهِ فَوَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ . [ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم - يصيح : يا بن أُمِّ عُمَارَةَ أُمُّكَ أُمُّكَ ! ] قَالَتْ : فَعَاوَنَنِي عَلَيْهِ حتى أوزدته شَعُوبٌ .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ عن عمرو بن يحيى عن أمه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : جُرِحْتُ يَوْمَئِذٍ جُرْحًا فِي عَضُدِي الْيُسْرَى . ضَرَبَنِي رَجُلٌ كَأَنَّهُ الرَّقْلُ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَيَّ وَمَضَى عَنِّي . وَجَعَلَ الدَّمُ لا يَرْقَأُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اعْصِبْ جُرْحَكَ . فَتُقْبِلُ أُمِّي إِلَيَّ وَمَعَهَا عَصَائِبُ فِي حَقْوَيْهَا قَدْ أَعَدَّتْهَا لِلْجِرَاحِ فَرَبَطَتْ جُرْحِي . وَالنَّبِيُّ وَاقِفٌ يَنْظُرُ إِلَيَّ . ثُمَّ قَالَتْ : انْهَضْ بُنَيَّ فَضَارِبِ الْقَوْمَ . [ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَمَنْ يُطِيقُ مَا تُطِيقِينَ يَا أُمَّ عُمَارَةَ ! ] قَالَتْ :
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 304
مساهمون: ابن سعد
ص٣٠٤