دير الحوراني ، قال فقيل لنا الصالحيين نسبة إلى مسجد أبي صالح لا أنا صالحون ، وسميت هذه
البقعة من ذلك الحين بالصالحية نسبة إلينا ، فقرأ الشيخ أبو عمر القرآن على رواية أبي عمرو ،
وحفظ مختصر الخرقي في الفقه ، ثم إن أخاه الموفق شرحه فيما بعد فكتب شرحه بيده ، وكتب
تفسير البغوي والحلية لأبي نعيم والإبانة لابن بطة ، وكتب مصاحف كثيرة بيده للناس ولأهله بلا
أجرة ، وكان كثير العبادة والزهادة والتهجد ، ويصوم الدهر وكان لا يزال متبسما ، وكان يقرأ كل
يوم سبعا بين الظهر والعصر ويصلي الضحى ثماني ركعات يقرأ فيهن ألف مرة قل هو الله أحد ،
وكان يزور مغارة الدم في كل يوم اثنين وخميس ، ويجمع في طريقه الشيخ فيعطيه الأرامل
والمساكين ، ومهما تهيأ له من فتوح وغيره يؤثر به أهله والمساكين ، وكان متقللا في الملبس وربما
مضت عليه مدة لا يلبس فيها سراويل ولا قميصا ، وكان يقطع من عمامته قطعا يتصدق بها أو في
تكميل كفن ميت ، وكان هو وأخوه وابن خالهم الحافظ عبد الغني وأخوه الشيخ العماد لا ينقطعون
عن غزاة يخرج فيها الملك صلاح الدين إلى بلاد الفرنج ، وقد حضروا معه فتح القدس والسواحل
وغيرها ، وجاء الملك العادل يوما إلى ختمهم أي خصهم لزيارة أبي عمر وهو قائم يصلي ، فما قطع
صلاته ولا أوجز فيها ، فجلس السلطان واستمر أبو عمر في صلاته ولم يلتفت إليه حتى قضى صلاته
رحمه الله والشيخ أبو عمر هو الذي شرع في بناء المسجد الجامع أولا بمال رجل فامي ، فنفد ما عنده
وقد ارتفع البناء قامة فبعث صاحب إربل الملك المظفر كوكري ( 1 ) مالا فكمل به ، وولى خطابته
الشيخ أبو عمر ، فكان يخطب به وعليه لباسه الضعيف وعليه أنوار الخشية والتقوى والخوف من الله
عز وجل ، والمسك كيف خبأته ظهر عليك وبان ، وكان المنبر الذي فيه يومئذ ثلاث مراق والرابعة
للجلوس ، كما كان المنبر النبوي ، وقد حكى أبو المظفر : أنه حضر يوما عنده الجمعة وكان الشيخ
عبد الله البوتاني حاضرا الجمعة أيضا عنده ، فلما انتهى في خطبته إلى الدعاء للسلطان قال : اللهم
أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب ، فلما قال ذلك نهض الشيخ عبد الله
البوتاني وأخذ نعليه وخرج من الجامع وترك صلاة الجمعة ، فلما فرغنا ذهبت إلى البوتاني فقلت له :
ماذا نقمت عليه في قوله ؟ فقال يقول لهذا الظالم العادل ؟ لا صليت معه ، قال فبينما نحن في
الحديث إذ أقبل الشيخ أبو عمر ومعه رغيف وخيارتان فكسر ذلك الرغيف وقال الصلاة ، ثم
قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " بعثت في زمن الملك العادل كسرى " فتبسم الشيخ عبد الله البوتاني ومد يده
فأكل فلما فرغوا قام الشيخ أبو عمر فذهب فلما ذهب قال لي البوتاني يا سيدنا ماذا إلا رجل صالح .
قال أبو شامة كان البوتاني من الصالحين الكبار ، وقد رأيته وكانت وفاته بعد أبي عمر بعشر
سنين فلم يسامح الشيخ أبا عمر في تساهله مع ورعه ، ولعله كان مسافرا والمسافر لا جمعة عليه ،
وعذر الشيخ أبي عمر أن هذا قد جرى مجرى الاعلام العادل الكامل الأشرف ونحوه ، كما يقال
هامش
( 1 ) في ابن الأثير : كوكبري .