عندها الوعاظ في زماننا هذا ، فكان يكثر الجمع عنده حتى يكونوا من باب الناطفانيين إلى باب
المشهد إلى باب الساعات ، الجلوس غير الوقوف ، فحزر جمعه في بعض الأيام ثلاثين ألفا من
الرجال والنساء ، وكان الناس يبيتون ليلة السبت في الجامع ويدعون البساتين ، يبيتون في قراءة
ختمات وأذكار ليحصل لهم أماكن من شدة الزحام ، فإذا فرغ من وعظه خرجوا إلى أماكنهم وليس
لهم كلام إلا فيما قال يومهم ذلك أجمع ، يقولون قال الشيخ وسمعنا من الشيخ فيحثهم ذلك على
العمل الصالح والكف عن المساوي ، وكان يحضر عنده الأكابر ، حتى الشيخ تاج الدين أبو اليمن
الكندي ، كان يجلس في القبة التي عند باب المشهد هو ووالي البلد المعتمد ووالي البر ابن تميرك
وغيرهم . والمقصود أنه لما جلس يوم السبت خامس ربيع الأول كما ذكرنا حث الناس على الجهاد
وأمر بإحضار ما كان تحصل عنده من شعور التائبين ، وقد عمل منه شكالات تحمل الرجال ، فلما
رآها الناس ضجوا ضجة واحدة وبكوا بكاء كثيرا وقطعوا من شعورهم نحوها ، فلما انقضى
المجلس ونزل عن المنبر فتلقاه الوالي مبادر الدين المعتمد بن إبراهيم ، وكان من خيار الناس ،
فمشى بين يديه إلى باب الناطفيين يعضده حتى ركب فرسه والناس من بين يديه ومن خلفه وعن
يمينه وعن شماله ، فخرج من باب الفرج وبات بالمصلى ثم ركب من الغد في الناس إلى الكسوة
ومعه خلائق كثيرون خرجوا بنية الجهاد إلى بلاد القدس ، وكان من جملة من معه ثلاثمائة من جهة
زملكا بالعدد الكثيرة التامة ، قال : فجئنا عقبة أفيق والطير لا يتجاسر أن يطير من خوف الفرنج ،
فلما وصلنا نابلس تلقانا المعظم ، قال ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك ، فلما رأى الشكالات من
شعور التائبين جعل يقبلها ويمرغها على عينيه ووجهه ويبكي ، وعمل أبو المظفر ميعادا بنابلس
وحث على الجهاد وكان يوما مشهودا ، ثم سار هو ومن معه وصحبته المعظم نحو الفرنج فقتلوا
خلقا وخربوا أماكن كثيرة ، وغنموا وعادوا سالمين ، وشرع المعظم في تحصين جبل الطور وبنى قلعة
فيه ليكون إلبا على الفرنج ، فغرم أموالا كثيرة في ذلك ، فبعث الفرنج إلى العادل يطلبون منه
الأمان والمصالحة ، فهادنهم وبطلت تلك العمارة وضاع ما كان المعظم غرم عليها والله أعلم .
وفيها توفي من الأعيان :
الشيخ أبو عمر
باني المدرسة بسفح قاسيون ( 1 ) للفقراء المشتغلين في القرآن رحمه الله ، محمد بن أحمد بن
محمد بن قدامة الشيخ الصالح أبو عمر المقدسي ، باني المدرسة التي بالسفح يقرأ بها القرآن
العزيز ، وهو أخو الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة ، وكان أبو عمر أسن
منه ، لأنه ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية الساويا ، وقيل بجماعيل ، والشيخ أبو عمر ربى
الشيخ موفق الدين وأحسن إليه وزوجه ، وكان يقوم بمصالحه ، فلما قدموا من الأرض المقدسة نزلوا
بمسجد أبي صالح خارج باب شرقي ثم انتقلوا منه إلى السفح ، وليس به من العمارة شئ سوى
هامش
( 1 ) في الأصل قايسون .