قلاوون ، وكان عمره إذ ذاك ثمان سنين وشهورا ( 1 ) ، فأجلسوه على سرير المملكة يوم الرابع
عشر ( 2 ) من المحرم ، وكان الوزير ابن السلعوس بالإسكندرية ، وكان قد خرج في صحبة
السلطان وتقدم هو إلى الإسكندرية فلم يشعر إلا وقد أحاط به البلاء ، وجاءه العذاب من كل
ناحية ، وذلك أنه كان يعامل الامراء الكبار معاملة الصغار ، فأخذوه وتولى عقوبته من بينهم
الشجاعي فضرب ضربا عظيما ، وقرر على الأموال ولم يزالوا يعاقبونه حتى كانت وفاته في عاشر
صفر بعد أن احتيط على حواصله كلها . وأحضر جسد الأشرف فدفن بتربته ، وتألم الناس لفقده
وأعظموا قتله ، وقد كان شهما شجاعا عالي الهمة حسن المنظر ، كان قد عزم على غزو العراق
واسترجاع تلك البلاد من أيدي التتار ، واستعد لذلك ونادى به في بلاده ، وقد فتح في مدة ملكه
- وكانت ثلاث سنين ( 4 ) - عكا وسائر السواحل ، ولم يترك للفرنج فيها معلما ولا حجرا ، وفتح قلعة
الروم وبهسنا وغيرها .
فلما جاءت بيعة الناصر إلى دمشق خطب له بها على المنابر ، واستقر الحال على ذلك ، وجعل
الأمير كتبغا أتابكه ، والشجاعي مشاورا كبيرا ، ثم قتل بعد أيام بقلعة الجبل ، وحمل رأسه إلى
كتبغا فأمر أن يطاف به في البلد ، ففرح الناس بذلك وأعطوا الذين حملوا رأسه مالا ، ولم يبق
لكتبغا منازع ، ومع هذا كان يشاور الامراء تطييبا لقلوبهم .
وفي صفر بعد موت ابن السلعوس عزل بدر الدين بن جماعة عن القضاء وأعيد تقي الدين
ابن بنت الأعز واستمر ابن جماعة مدرسا بمصر في كفاية ورياسة ، وتولى الوزارة بمصر الصاحب تاج
الدين بن الحنا ، وفي ظهر يوم الأربعاء الحادي والعشرين من صفر رتب إمام بمحراب الصحابة ،
وهو كمال الدين عبد الرحمن بن القاضي محيي الدين بن الزكي ، وصلى بعدئذ بعد الخطيب ،
ورتب بالمكتب الذي بباب الناطفانيين إمام أيضا ، وهو ضياء الدين بن برهان الدين
الإسكندري ، وباشر نظر الجامع الشريف زين الدين حسين ين محمد بن عدنان ، وعاد سوق
الحريريين إلى سوقه ، وأخلوا قيسارية القطن الذي كان نواب طغجي ألزموهم بسكناها ، وولي
خطابة دمشق الشيخ العلامة شرف الدين أحمد بن جمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد المقدسي ،
بعد عزل موفق الدين الحموي دعوه إلى حماة فخطب المقدسي يوم الجمعة نصف رجب ، وقرئ
تقليده وكانت ولايته بإشارة تاج الدين بن الحنا الوزير بمصر ، وكان فصيحا بليغا عالما بارعا .
هامش
( 1 ) في السلوك 1 / 794 : تسع سنين سوا ، وفي بدائع الزهور 1 / 1 / 378 : نحو تسع سنين .
( 2 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 378 : يوم الخميس ثامن عشر المحرم . وفي السلوك 1 / 1 / 794 : يوم السبت سادس
عشر المحرم .
( 3 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 379 : خامس عشر صفر .
( 4 ) في السلوك 1 / 790 : ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيام وفي بدائع الزهور . وفي تذكرة النبيه 1 / 167 : ثلاث
سنين وشهرين .