أسرهم أن أهل قرية فأرا ( 1 ) كانوا يأخذونهم فيحملونهم إلى الفرنج فيبيعونهم منهم ، فعند ذلك
ركب السلطان قاصدا فأرا ( 1 ) فأوقع بهم بأسا شديدا وقتل منهم خلقا كثيرا ، وأسر من أبنائهم
ونسائهم أخذا بثأر المسلمين جزاه الله خيرا ، ثم أرسل السلطان جيشا هائلا إلى بلاد سيس ،
فجاسوا خلال الديار وفتحوا سيس عنوة ( 2 ) وأسروا ابن ملكها ( 3 ) وقتلوا أخاه ونهبوها ، وقتلوا أهلها
وأخذوا بثأر الاسلام وأهله منهم ، وذلك أنهم كانوا أضر شئ على المسلمين زمن التتار ، لما أخذوا
مدينة حلب وغيرها أسروا من نساء المسلمين وأطفالهم خلقا كثيرا ، ثم كانوا بعد ذلك يغيرون على
بلاد المسلمين في زمن هولاكو فكبته الله وأهانه على يدي أنصار الاسلام ، هو وأميره كتبغا ، وكان
أخذ سيس يوم الثلاثاء العشرين من ذي القعدة من هذه السنة ، وجاءت الاخبار بذلك إلى البلاد
وضربت البشائر ، وفي الخامس والعشرين من ذي الحجة دخل السلطان وبين يديه ابن صاحب
سيس وجماعة من ملوك الأرمن أسارى أذلاء صغرة ، والعساكر صحبته وكان يوما مشهودا . ثم
سار إلى مصر مؤيدا منصورا ، وطلب صاحب سيس أن يفادي ولده ، فقال السلطان لا نفاديه إلا
بأسير لنا عند التتار يقال له سنقر الأشقر ، فذهب صاحب سيس إلى ملك التتر فتذلل له وتمسكن
وخضع له ، حتى أطلقه له ، فلما وصل سنقر الأشقر إلى السلطان أطلق ابن صاحب سيس .
وفيها عمر الظاهر الجسر المشهور بين قرارا ودامية ، تولى عمارته الأمير جمال الدين محمد بن
بهادر وبدر الدين محمد بن رحال والي نابلس والاغوار ، ولما تم بناؤه اضطرب بعض أركانه فقلق
السلطان من ذلك وأمر بتأكيده فلم يستطيعوا من قوة جري الماء حينئذ ، فاتفق بإذن الله أن انسالت
على النهر أكمة من تلك الناحية ، فسكن الماء بمقدار أن أصلحوا ما يريدون ، ثم عاد الماء كما كان
وذلك بتيسير الله وعونه وعنايته العظيمة .
وفيها توفي من الأعيان :
أيد غدي بن عبد الله
الأمير جمال الدين العزيزي ، كان من أكابر الامراء وأحظاهم عند الملك الظاهر ، لا يكاد
الظاهر يخرج عن رأيه ، وهو الذي أشار عليه بولاية القضاة من كل مذهب قاض على سبيل
الاستقلال وكان متواضعا لا يلبس محرما ، كريما وقورا رئيسا معظما في الدولة ، أصابته جراحة في
حصار صفد فلم يزل مريضا منها حتى مات ليلة عرفة ، ودفن بالرباط الناصري بسفح قاسيون من
صلاحية دمشق رحمه الله .
هامش
( 1 ) في تاريخ أبي الفداء : قارا ، وفي معجم البلدان : قارة : وهي قرية كبيرة على قارعة الطريق وهي المنزل الأول
من حمص للقاصد إلى دمشق وهي كانت آخر حدود حمص وما عداها من أعمال دمشق . وأهلها كلهم نصارى .
( 2 ) أسر الملك ليفون بن هيثوم .
( 3 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 325 : سلموا المدينة بالأمان .