من قضاة الأطراف والمتحاكمين إليه ، إلا أنه كان جوادا كريما صودر هو وأهله .
ثم دخلت سنة أربع وستين وستمائة
استهلت والخليفة الحاكم العباسي والسلطان الملك الظاهر وقضاة مصر أربعة . وفيها جعل
بدمشق أربعة قضاة من كل مذهب قاض كما فعل مصر عام أول ، ونائب الشام آقوش النجيبي ،
وكان قاضي قضاة الشافعية ابن خلكان ، والحنفية شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطا
والحنابلة شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر ، والمالكية عبد السلام بن الزواوي ، وقد
امتنع من الولاية فألزم بها حتى قبل ثم عزل نفسه ، ثم ألزم بها فقبل بشرط أن لا يباشر أوقافا ولا
يأخذ جامكية على أحكامه ، وقال : نحن في كفاية فأعفي من ذلك أيضا رحمهم الله . وقد كان
هذا الصنيع الذي لم يسبق إلى مثله قد فعل في العام الأول بمصر كما تقدم ، واستقرت الأحوال على
هذا المنوال .
وفيها كمل عمارة الحوض الذي شرقي قناة باب البريد وعمل له شاذروان وقبة وأنابيب
يجري منها الماء إلى جانب الدرج الشمالية .
وفيها نازل الظاهر صفد واستدعى بالمنجانيق من دمشق وأحاط بها ولم يزل حتى افتتحها ،
ونزل أهلها على حكمه ، فتسلم البلد في يوم الجمعة ثامن عشر شوال ( 1 ) ، وقتل المقاتلة وسبى
الذرية ، وقد افتتحها الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب في شوال أيضا في أربع وثمانين
وخمسمائة ، ثم استعادها الفرنج فانتزعها الظاهر منهم قهرا في هذه السنة ولله الحمد ، وكان
السلطان الظاهر في نفسه منهم شئ كثير ، فلما توجه إلى فتحها طلبوا الأمان ، فأجلس على سرير
مملكته الأمير سيف الدين كرمون التتري ، وجاءت رسلهم فخلعوه وانصرفوا ولا يشعرون أن الذي
أعطاهم العهود بالأمان إنما هو الأمير الذي أجلسه على السرير والحرب خدعة ، فلما خرجت
الاسبتارية والداوية من القلعة وقد فعلوا بالمسلمين الأفاعيل القبيحة ، فأمكن الله منهم فأمر
السلطان بضرب رقابهم عن آخرهم ، وجاءت البريدية إلى البلاد بذلك ، فدقت البشائر وزينت
البلاد ، ثم بث السرايا يمينا وشمالا في بلاد الفرنج فاستولى المسلمون على حصون كثيرة تقارب
عشرين حصنا ، وأسروا قريبا من ألف أسير ما بين امرأة وصبي ، وغنموا شيئا كثيرا .
وفيها قدم ولد الخليفة المستعصم بن المستنصر من الأسر واسمه علي ، فأكرم وأنزل بالدار
الأسدية تجاه العزيزية ، وقد كان أسيرا في أيدي التتار ، فلما كسرهم بركه خان تخلص من أيديهم
وسار إلى دمشق ، ولما فتح السلطان صفدا أخبره بعض من كان فيها من أسرى المسلمين أن سبب
هامش
( 1 ) في تاريخ أبي الفداء 4 / 3 تاسع عشر شعبان ، وفي الروض الزاهر : ص 260 : مستهل ثامن عشر شوال .