فأخذوا معها نابلس ، فأرسل إليهم الصالح أيوب جيشا مع فخر الدين ابن الشيخ فكسرهم على
الصلت وأجلاهم عن تلك البلاد ، وحاصر الناصر بالكرك وأهانه غاية الإهانة ، وقدم الملك
الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية فدخل دمشق في أبهة عظيمة ، وأحسن إلى أهلها ،
وتصدق على الفقراء والمساكين ، وسار إلى بعلبك وإلى بصرى وإلى صرخد ، فتسلمها من صاحبها
عز الدين أيبك المعظمي ، وعوضه عنها ثم عاد إلى مصر مؤيدا منصورا . وهذا كله في السنة
الآتية .
وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة وبين التتار لعنهم الله ، فكسرهم
المسلمون كسرة عظيمة وفرقوا شملهم ، وهزموا من بين أيديهم ، فلم يلحقوهم ولم يتبعوهم ،
خوفا من غائلة مكرهم وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم " اتركوا الترك ما تركوكم " ( 1 ) . وفي هذه السنة ظهر ببلاد
خوزستان على شق جبل داخله من الأبنية الغريبة العجيبة ما يحار فيه الناظر ، وقد قيل إن ذلك من
بناء الجن ، وأورد صفته ابن الساعي في تاريخه .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
الشيخ تقي الدين ابن ( 2 ) الصلاح
عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الإمام العلامة ، مفتي الشام ومحدثها ، الشهرزوري ثم
الدمشقي ، سمع الحديث ببلاد الشرق وتفقه هنالك بالموصل وحلب وغيرها ، وكان أبوه مدرسا
بالأسدية التي بحلب ، وواقفها أسد الدين شيركوه بن شادي ، وقدم هو الشام وهو في عداد
الفضلاء الكبار . وأقام بالقدس مدة ودرس بالصلاحية ، ثم تحول منه إلى دمشق ، ودرس
بالرواحية ثم بدار الحديث الأشرفية ، وهو أول من وليها من شيوخ الحديث ، وهو الذي صنف
كتاب وقفها ، ثم بالشامية الجوانية ، وقد صنف كتبا كثيرة مفيدة في علوم الحديث والفقه [ وله ]
تعاليق حسنة على الوسيط وغيره من الفوائد التي يرحل إليها . وكان دينا زاهدا ورعا ناسكا ، على
طريق السلف الصالح ، كما هو طريقة متأخري أكثر المحدثين ، مع الفضيلة التامة في فنون كثيرة ،
ولم يزل على طريقة جيدة حتى كانت وفاته بمنزله في دار الحديث الأشرفية ليلة الأربعاء الخامس
والعشرين من ربيع الآخر من سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، وصلي عليه بجامع دمشق وشيعه
الناس إلى داخل باب الفرج ، ولم يمكنهم البروز لظاهره لحصار الخوارزمية ، وما صحبه إلى جبانة
الصوفية إلا نحو العشرة رحمه الله وتغمده برضوانه . وقد أثنى عليه القاضي شمس الدين بن
خلكان ، وكان من شيوخه . قال السبط أنشدني الشيخ تقي الدين من لفظه رحمه الله :
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .
( 2 ) من تاريخ أبي الفداء 3 / 174 من شذرات الذهب : وفي الأصل " أبو " .