المستعصم ، أن في نسبه ثمانية نسقا ولوا الخلافة لم يتخللهم أحد ، وهو التاسع رحمه الله تعالى
بمنه .
لما توفي أبوه بكرة الجمعة عاشر جمادى الآخرة من سنة أربعين وستمائة استدعي هو من التاج
يومئذ بعد الصلاة فبويع بالخلافة ، ولقب بالمستعصم ، وله من العمر يومئذ ثلاثون سنة وشهور ،
وقد أتقن في شبيبته تلاوة القرآن حفظا وتجويدا ، وأتقن العربية والخط الحسن وغير ذلك من
الفضائل على الشيخ شمس الدين أبي المظفر علي بن محمد بن النيار أحد أئمة الشافعية في زمانه ،
وقد أكرمه وأحسن إليه في خلافته ، وكان المستعصم على ما ذكر كثير التلاوة حسن الأداء طيب
الصوت ، يظهر عليه خشوع وإنابة ، وقد نظر في شئ من التفسير وحل المشكلات ، وكان
مشهورا بالخير مشكورا مقتديا بأبيه المستنصر جهده وطاقته ، وقد مشت الأمور في أيامه على السداد
والاستقامة بحمد الله ، وكان القائم بهذه البيعة المستعصمية شرف الدين أبو الفضائل إقبال
المستنصري ، فبايعه أولا بنو عمه وأهله من بني العباس ، ثم أعيان الدولة من الامراء والوزراء
والقضاة والعلماء والفقهاء ومن بعدهم من أولي الحل والعقد والعامة وغيرهم ، وكان يوما مشهودا
ومجمعا محمودا ورأيا سعيدا ، وأمرا حميدا ، وجاءت البيعة من سائر الجهات والأقطار والبلدان
والأمصار ، وخطب له في سائر البلدان ، والأقاليم والرساتيق ، وعلى سائر المنابر شرقا وغربا ،
بعدا وقربا ، كما كان أبوه وأجداده ، رحمهم الله أجمعين .
وفيها وقع من الحوادث أنه كان بالعراق وباء شديد في آخر أيام المستنصر وغلا السكر
والأدوية فتصدق الخليفة المستنصر بالله رحمه الله بسكر كثير على المرضى ، تقبل الله منه . وفي يوم
الجمعة رابع عشر شعبان أذن الخليفة المستعصم بالله لأبي الفرج عبد الرحمن بن محيي الدين يوسف
ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي - وكان شابا ظريفا فاضلا - في الوعظ بباب البدرية ، فتكلم
وأجاد وأفاد وامتدح الخليفة المستعصم بقصيدة طويلة فصيحة ، سردها ابن الساعي بكمالها ، ومن
يشابه أباه فما ظلم ، والشبل في المخبر مثل الأسد . وفيها كانت وقعة عظيمة بين الحلبيين وبين
الخوارزمية ( 1 ) ، ومع الخوارزمية شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين ، فكسرهم الحلبيون كسرة
عظيمة منكرة ، وغنموا من أموالهم شيئا كثيرا جدا ، ونهبت نصيبين مرة أخرى ، وهذه سابع عشر
مرة نهبت في هذه السنين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وعاد الغازي إلى ميافارقين وتفرقت
الخوارزمية يفسدون في الأرض صحبة مقدمهم بركات خان ، لا بارك الله فيه ، وقدم على الشهاب
غازي منشور بمدينة خلاط فتسلمها وما فيها من الحواصل . وفيها عزم الصالح أيوب صاحب مصر
على دخول الشام فقيل له إن العساكر مختلفة فجهز عسكرا إليها وأقام هو بمصر يدير مملكتها .
هامش
( 1 ) وذلك قريب الخابور عند المجدل يوم الخميس لثلاث بقين من صفر ، وعاد صاحب حلب وحمص إلى حلب في
مستهل جمادى الأولى مؤيدين منصورين ( تاريخ أبي الفداء 3 / 171 ) .