المعروف والده بالمجيد ، تفقه على أبيه وقرأ عليه علم الكلام ، ودرس بمدرسته عند باب الأزج ،
ووكله الخليفة الناصر واشتهر بالديانة والأمانة ، وباشر مناصب كبارا ، وحج مرارا عديدة ، وكان
متواضعا حسن الأخلاق وكان يقول :
وما تركت ست وستون حجة * لنا حجة أن نركب اللهو مركبا
وكان ينشد :
العلم يأتي كل ذي خفض * ويأبى على كل آبي
كالماء ينزل في الوهاد * وليس يصعد في الروابي
ثم دخلت سنة تسع عشرة وستمائة
فيها نقل تابوت العادل من القلعة إلى تربته العادلية الكبيرة ، فصلي عليه أولا تحت النسر
بالجامع الأموي ، ثم جاؤوا به إلى التربة المذكورة فدفن فيها ، ولم تكن المدرسة كملت بعد ، وقد
تكامل بناؤها في هذه السنة أيضا ، وذكر الدرس بها القاضي جمال الدين المصري ، وحضر عنده
السلطان المعظم فجلس في الصدر وعن شماله القاضي وعن يمينه صدر الدين الحصيري شيخ
الحنفية ، وكان في المجلس الشيخ تقي الدين بن الصلاح إمام السلطان ، والشيخ سيف الدين
الآمدي إلى جانب المدرس ، وإلى جانبه شمس الدين بن سناء الدولة ، ويليه النجم خليل قاضي
العسكر ، وتحت الحصيري شمس الدين بن الشيرازي ، وتحته محيي الدين التركي ، وفيه خلق من
الأعيان والأكابر ، وفيهم فخر الدين بن عساكر . وفيها أرسل الملك المعظم الصدر الكشهني ( 1 )
محتسب دمشق إلى جلال الدين بن خوارزم شاه يستعينه على أخويه الكامل والأشرف اللذين قد
تمالئا عليه ، فأجابه إلى ذلك بالسمع والطاعة ، ولما عاد الصدر المذكور أضاف إليه مشيخة
الشيوخ . وحج في هذه السنة الملك مسعود بن أقسيس بن الكامل صاحب اليمن فبدت منه أفعال
ناقصة بالحرم من سكر ورشق حمام المسجد بالبندق من أعلا قبة زمزم ، وكان إذا نام في دار الامارة
يضرب الطائفون بالمسعى بأطراف السيوف لئلا يشوشوا عليه وهو نوم سكر قبحه الله ، ولكن كان
مع هذا كله مهيبا محترما والبلاد به آمنة مطمئنة ، وقد كاد يرفع سنجق أبيه يوم عرفة على سنجق
الخليفة فيجري بسبب ذلك فتنة عظيمة ، وما مكن من طلوعه وصعوده إلى الجبل إلا في آخر النهار
بعد جهد جهيد . وفيها كان بالشام جراد كثير أكل الزرع والثمار والأشجار . وفيها وقعت حروب
كثيرة بين القبجاق والكرج ، وقتال كثير بسبب ضيق بلاد القبجاق عليهم . وفيها ولي قضاء
القضاة ببغداد أبو عبد الله محمد بن فلان . ولبس الخلعة في باب دار الوزارة مؤيد الدين محمد بن
محمد القيمق بحضرة الأعيان والكبراء وقرئ تقليده بحضرتهم وساقه ابن الساعي بحروفه .
هامش
( 1 ) هو صدر الدين أبو الحسن محمد بن أبي الفتح .