وَسُئِلَ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّنْ قَالَ : لَا أَرْجُو الْجَنَّةَ ، وَلَا أَخَافُ النَّارَ ، وَلَا أَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَآكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَأُصَلِّي بِلَا قِرَاءَةٍ وَبِلَا رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَأَشْهَدُ بِمَا لَمْ أَرَهُ ، وَأُبْغِضُ الْحَقَّ وَأُحِبُّ الْفِتْنَةَ .
فَقَالَ أَصْحَابُهُ : أَمْرُ هَذَا الرَّجُلِ مُشْكِلٌ فَقَالَ الْإِمَامُ : هَذَا الرَّجُلُ يَرْجُو اللَّهَ لَا الْجَنَّةَ ، وَيَخَافُ اللَّهَ لَا النَّارَ ، وَلَا يَخَافُ الظُّلْمَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَذَابِهِ ، وَيَأْكُلُ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ وَيُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَيَشْهَدُ بِالتَّوْحِيدِ ، وَيُبْغِضُ الْمَوْتَ وَهُوَ حَقٌّ وَيُحِبُّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَهُمَا فِتْنَةٌ فَقَامَ السَّائِلُ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّك لِلْعِلْمِ وِعَاءٌ ( انْتَهَى ) .
وَفِي آخِرِ فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَمَّنْ يَقُولُ : أَنَا لَا أَخَافُ النَّارَ وَلَا أَرْجُو الْجَنَّةَ ، وَإِنَّمَا أَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَرْجُوهُ فَقَالَ قَوْلُهُ : إنِّي لَا أَخَافُ النَّارَ وَلَا أَرْجُو الْجَنَّةَ غَلَطٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَوَّفَ عِبَادَهُ بِالنَّارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } وَمَنْ قِيلَ لَهُ : خَفْ مِمَّا خَوَّفَك اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ : لَا أَخَافُ رَدًّا لِذَلِكَ كَفَرَ ( انْتَهَى )
وَفِي مَنَاقِبِ الْكَرْدَرِيِّ قَدِمَ قَتَادَةُ الْكُوفَةَ ؛ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ : سَلُونِي عَنْ الْفِقْهِ فَقَالَ الْإِمَامُ : مَا تَقُولُ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ ؟
فَقَالَ : قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَتَتَزَوَّجُ بِمَا شَاءَتْ قَالَ : فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ وَقَالَ تَزَوَّجْتِ وَأَنَا حَيٌّ ، وَقَالَ الثَّانِي : تَزَوَّجْتِنِي وَلَك زَوْجٌ أَيُّهُمَا يُلَاعِنُ ؟ فَغَضِبَ قَتَادَةُ وَقَالَ : لَا أُجِيبُكُمْ بِشَيْءٍ .
قَالَ الْإِمَامُ : خَرَجْنَا مَعَ حَمَّادٍ نُشَيِّعُ الْأَعْمَشَ وَأَغْوَرَ الْمَاءُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ؛ فَأَفْتَى حَمَّادٌ بِالتَّيَمُّمِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ ، فَقُلْت : يُؤَخَّرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنْ وُجِدَ الْمَاءُ وَإِلَّا يَتَيَمَّمُ ، فَفَعَلْت فَوُجِدَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ خَالَفَ فِيهَا أُسْتَاذَه وَكَانَ لِلْإِمَامِ جَارَةٌ لَهَا غُلَامٌ أَصَابَ
مِنْهَا دُونَ الْفَرْجِ فَحَبِلَتْ ، فَقَالَ أَهْلُهَا لَهُ : كَيْفَ تَلِدُ وَهِيَ بِكْرٌ ؟ فَقَالَ : هَلْ لَهَا أَحَدٌ تَثِقُ بِهِ ؟ قَالُوا عَمَّتُهَا ، فَقَالَ : تَهَبُ الْغُلَامَ مِنْهَا ثُمَّ تُزَوِّجُهَا مِنْهُ ، فَإِذَا أَزَالَ عُذْرَتَهَا رَدَّتْ الْغُلَامَ إلَيْهَا فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ .
وَخَرَجَ الْإِمَامُ إلَى بُسْتَانٍ فَلَمَّا رَجَعَ مَعَ أَصْحَابِهِ إذْ هُوَ بِابْنِ أَبِي لَيْلَى رَاكِبًا عَلَى بَغْلَتِهِ ، فَتَسَايَرَا فَمَرَّا عَلَى نِسْوَةٍ يُغَنِّينَ فَسَكَتْنَ ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْسَنْتُنَّ ، فَنَظَرَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي قِمْطَرَةٍ فَوَجَدَ قَضِيَّةً فِيهَا شَهَادَاتُهُ ، فَدَعَاهُ لِيَشْهَدَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَلَمَّا شَهِدَ أَسْقَطَ شَهَادَتَهُ وَقَالَ : قُلْت : لِلْمُغَنِّيَاتِ أَحْسَنْتُنَّ ، فَقَالَ : مَتَى قُلْت ذَلِكَ ؛ حِينَ سَكَتْنَ أَمْ حِينَ كُنَّ يُغَنِّينَ ؟ قَالَ حِينَ سَكَتْنَ قَالَ : أَرَدْت بِذَلِكَ أَحْسَنْتُنَّ بِالسُّكُوتِ ، فَأَمْضَى شَهَادَتَهُ .
الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان — صفحة 366
مساهمون: ابن نجيم المصري
ص٣٦٦