وينتفع بزيارة من زاره ويسلم عليه ويستأنس بذلك .
وقد وصَّى عمرو بن العاص ، أن يقيموا عَلَى قبره بعدَ دفنه بقدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها وقال : أستأنس بكم ، وانظر ما أراجع به رسل ربي .
وفي " سنن أبي داود " ( 1 ) : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دفن الميت قال : سلوا له التثبيت ، فإنه الآن يُسأل " .
وأمَّا إقامتهم عنده بعد ذلك فلا ينتفع به .
ضربت امرأة الحسن بن الحسن بن علي عَلَى قبره بالبقيع فسطاطًا سنة ، ثم نزعته بعد السنة وانصرفت ، فسمعوا هاتفًا بالبقيع يقول : هل وجدوا ما فقدوا ؟ أفاجابه مجيبٌ من الناحية الأخرى : بل يئسوا فانقلبوا .
لمَّا دُفن داود الطائي حضر جنازته أهلُ الكوفة ، وأثنى عليه ابن السماك بأعماله الصالحة ، والناس يصدِّقونه عَلَى قوله : فقام أبو بكر النهشلي ( 2 ) فَقَالَ : اللهمَّ لا تكله إِلَى عمله ، فأعجب الناس قوله فلمَّا انصرفوا قال ابن السماك : يا داود رجعنا وتركناك ، ولو أقمنا ما أنفعناك ثم أنشأ يقول :
انصرف الناس إِلَى دورهم . . . وغُودر الميت في رمسه ( 3 )
مرتهن النفس بأعماله . . . لا يرتجي الإطلاق عن حبسه
لنفسه صالح أعماله . . . وما سواها فعلى نفسه
ومع هذا فالمؤمن يبشَّرُ في قبره بصلاح ولده من بعده ؛ لتقرَّ عينه .
وأعمال الأحياء تُعرض عَلَى أقاربهم من الموتى فيسرون بالأعمال الصالحة ، ويدعون لأهلها بالتوبة والزيادة .
وتسوءهم الأعمال السيئة ، ويدعون لأهلها بالتوبة والمراجعة .
هامش
( 1 ) برقم ( 3221 ) من حديث عثمان بن عفان .
( 2 ) في " الأصل " : النهلي . وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه .
( 3 ) الرمس : القبر . " اللسان " مادة : ( رمس ) .