تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
نفيا وسبعين سنة من عمره ما يسأل أهله غذاء ولا عشاء ، بل إن جاءه شئ أكله وإلا طوى إلى الليلة القابلة . وذكر أنه أنفق في بعض الرماضانات على نفسه وعياله درهما واحدا وأربعة دوانيق ونصف ، وما كنا نعرف من هذه الطبائخ شيئا إنما هو باذنجان مشوي أو باقة فجل أو نحو هذا ، وقد بعث إليه أمير المؤمنين المعتضد في بعض الأحيان بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها وردها ، فرجع الرسول وقال يقول لك الخليفة : فرقها على من تعرف من فقراء جيرانك . فقال : هذا شئ لم نجمعه ولا نسأله عن جمعه ، فلا نسأل عن تفريقه ، قل لأمير المؤمنين إما يتركنا وإما نتحول من بلده . ولما حضرته الوفاة دخل عليه بعض أصحابه يعوده فقامت ابنته تشكو إليه ما هم في من الجهد وأنه لا طعام لهم إلا الخبز اليابس بالملح ، وربما عدموا الملح في بعض الأحيان . فقال لها إبراهيم يا بنية تخافين الفقر ؟ انظري إلى تلك الزاوية فيها اثنى عشرة ألف جزء قد كتبتها ، ففي كل يوم تبيعي منا جزء بدرهم فمن عنده اثني عشر ألف درهم فليس بفقير . ثم كانت وفاته لسبع بقين من ذي الحجة وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي عند باب الأنبار ، وكان الجمع كثرا جدا .

المبرد النحوي

محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس الأزدي الثمالي المعروف بالمبرد النحوي البصري إمام في اللغة والعربية ، وأخذ ذلك عن المازني وأبي حاتم السجستاني ، وكان ثقة ثبتا فيما ينقله وكانا مناوئا لثعلب وله كتاب الكامل في الأدب وإنما سمي بالمبرد لأنه اختبأ من الوالي عند أبي حاتم تحت المزبلة . قال المبرد : دخلنا يوما عل المجانين نزورهم أنا وأصحاب معي بالرقة فإذا فيهم شاب قريب العهد بالمكان عليه ثياب ناعمة فلما بصر بنا قال حياكم الله ممن أنتم ؟ قلنا من أهل العراق . فقال : بأبي العراق وأهلها أنشدوني أو أنشدكم ؟ قال المبرد : بل أنشدنا أنت فأنشأ يقول : الله يعلم أنني كمد * لا أستطيع بث ما أجد روحان لي روح تضمنها * بلد وأخرى حازها بلد وأرى المقيمة ليس ينفعها * صبر ولا يقوى لها جلد وأظن غائبتي كحاضرتي * بمكانها تجد الذي أجد قال المبرد فقلت : والله إن هذا طريف فزدنا منه فأنشأ يقول : لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم * وحموها فثارت بالهواى الإبل وأبرزت من خلال السجف ناظرها * ترنوا إلى ودمع العين ينهمل وودعت ببنان عقدها عنم * ناديت لا حملت رجلاك يأجمل ويلي من البين ماذا حل بي وبهم * من نازل البين حان البين وارتحلوا يا راحل العيس عجل كي أودعهم * يا راحل العيس في ترحالك الاجل
البداية والنهاية — صفحة 91 | ابن كثير / علي شيري