فقال : دعوه ما لي وللصحابي ، إني إنما حسبته يتكلم في شيخنا عثمان بن عفان السجزي .
قلت : وما أظن هذا صحيحا عن يعقوب بن سفيان فإنه إمام محدث كبير القدر ، وقد كانت
وفاته قبل أبي حاتم بشهر في رجب منها بالبصرة رحمه الله . وقد رآه بعضهم في المنام فقال : ما فعل بك
ربك ؟ فقال : غفر لي وأمرني أن أملي الحديث في السماء كما كنت أمليه في الأرض ، فجلست للاملاء في
السماء الرابعة ، وجلس حولي جماعة من الملائكة منهم جبريل يكتبون ما أمليه من الحديث بأقلام
الذهب .
عريب المأمونية
فقد ترجمها ابن عساكر في تاريخه وحكى عن بعضهم أنها ابنة جعفر البرمكي ، سرقت وهي
صغيرة عند ذهاب دولة البرامكة ، وبيعت فاشتراها المأمون بن الرشيد ، ثم روى عن حماد بن إسحاق
عن أبيه أنه قال : ما رأيت قط امرأة أحسن وجها منها ، ولا أكثر أدبا ولا أحسن غناء وضربا وشعرا
ولعبا بالشطرنج والنرد منها ، وما تشاء أن تجد خصلة ظريفة بارعة في امرأة إلا وجدتها فيها . وقد كانت
شاعرة مطيقة بليغة فصيحة ، وكان المأمون يتعشقها ثم أحبها بعده المعتصم ، وكانت هي تعشق رجلا
يقال له محمد بن حماد ، وربما أدخلته إليها في دار الخلافة قبحها الله على ما ذكره ابن عساكر عنها ، ثم
عشقت صالحا المنذري وتزوجته سرا ، وكانت تقول فيه الشعر ، وربما ذكرته في شعرها بين يدي
المتوكل وهو لا يشعر فيمن هو ، فتضحك جواريه من ذلك فيقول : يا سحاقات هذا خير من عملكن .
وقد أورد ابن عساكر شيئا كثيرا من شعرها ، فمن ذلك قولها لما دخلت على المتوكل تعوده من حمى
أصابته فقالت :
أتوني فقالوا بالخليفة علة * فقلت ونار الشوق توقد في صدري
ألا ليت بي حمى الخليفة جعفر * فكانت بي الحمى وكان له أجري
كفى بي حزن إن قيل حم فلم أمت * من الحزن إني بعد هذا لذو صبري
جعلت فدا للخليفة جعفر * وذاك قليل للخليفة من شكري
ولما عوفي دخلت عليه فغنته من قيلها :
شكرا لأنعم من عافاك من سقم * دمت المعافا من الآلام والسقم
عادت ببرئك للأيام بهجتها * واهتز نبت رياض الجود والكرم
ما قام للدين بعد اليوم من ملك * أعف منك ولا أرعى إلى الذمم
فعمر الله فينا جعفرا ونفى * بنور وجنته عنا دجى الظلم
ولها في عافيته أيضا :
حمدنا الذي عافى الخليفة جعفرا * على رغم أشياخ الضلالة والكفر