ولما أبطأ خبر صالح بن وصيف على موسى بن بغا وأصحابه قال بعظهم لبعض : اخلعوا هذا
الرجل - يعني الخليفة - فقال بعضهم : أتقتلون رجلا صواما قواما لا يشرب الخمر ولا يأتي الفواحش ؟
والله إن هذا ليس كغيره من الخلفاء ولا تطاوعكم الناس عليه . وبلغ ذلك الخليفة فخرج إلى الناس
وهو متقلد سيفا فجلس على السرير واستدعى بموسى بن بغا وأصحابه فقال : قد بلغني ما تمالأتم عليه
من أمري ، وإني والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت أخي بولدي ، وهذا سيفي ، والله
لأضربن به ما استمسك قائمه بيدي ، والله لئن سقط من شعري شعرة ليهلكن بدلها منكم ، أو
ليذهبن بها أكثركم ، أما دين ؟ أما حياء ؟ أما تستحيون ؟ كم يكون هذا الاقدام على الخلفاء والجرأة على
الله عز وجل وأنتم لا تبصرون ؟ سواء عليكم من قصد الابقاء عليكم والسيرة الصالحة فيكم ، ومن
كان يدعو بأرطال الشراب المسكر فيشربها بين أظهركم وأنتم لا تنكرون ذلك ، ثم يستأثر بالأموال
عنكم وعن الضعفاء ، هذا منزلي فاذهبوا فانظروا فيه وفي منازل إخوتي ومن يتصل بي هل ترون فيها
من آلات الخلافة شيئا ، أو من فرشها أو غير ذلك ؟ وإنما في بيوتنا ما في بيوت آحاد الناس ، ويقولون إني
أعلم علم صالح بن وصيف ، وهل هو إلا واحد منكم ؟ فاذهبوا فاعلموا علمه فأبلغوا شفاء نفوسكم
فيه وأما أنا فلست أعلم علمه . قالوا : فاحلف لنا على ذلك ، قال أما اليمين فإني أبذلها لكم ، ولكن
أدخرها لكم حتى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة والمعدلين وأصحاب المراتب في غد إذا صليت
صلاة الجمعة . قال : فكأنهم لانوا لذلك قليلا . فلما كان يوم الأحد لثمان بقين من صفر ظفروا
بصالح بن وصيف فقتل وجئ برأسه إلى المهتدي بالله وقد انفتل من صلاة المغرب ، فلم يزد على أن
قال : واروه . ثم أخذ في تسبيحه وذكره . ولما أصبح الصباح من يوم الاثنين رفع الرأس على رمح
ونودي عليه في أرجاء البلد . هذا جزاء من قتل مولاه . وما زال الامر مضطربا متفاقما وعظم الخطب
حتى أفضى إلى خلع الخليفة المهتدي وقتله رحمه الله .
خلع المهتدي بالله وولاية المعتمد أحمد بن المتوكل
لما بلغ موسى بن بغا أن مساور الشاري قد عاث بتلك الناحية فساد ركب إليه في جيش كثيف ومعه مفلح وبايكباك ( 1 ) التركي فاقتتلوا هم ومساور الخارجي ولم يظفروا به بل هرب منهم وأعجزهم ، وكان قد فعل قبل مجيئهم الأفاعيل المنكرة فرجعوا ولم يقدروا عليه . ثم إن الخليفة أراد أن يخالف بين كلمة الأتراك فكتب إلى بايكباك ( 2 ) أن يتسلم الجيش من موسى بن بغا ويكون هو الأمير على الناس وأن يقبل بهم إلى سامرا ، فلما وصل إليه الكتاب أقرأه موسى بن بغا فاشتد عضبه على المهتدي واتفقا .
هامش
( 1 ) في ابن الأثير 7 / 228 ومروج الذهب 4 / 210 : بابكيال .
( 2 ) في ابن الأثير ومروج الذهب : كتب إليه أن يتسلم العسكر ويقوم بحرب مساور ويقتل موسى بن بغا
ومفلح . ( انظر الطبري 11 / 203 ) . زاد في مروج الذهب : أنه كتب أيضا كتاب إلى موسى بن بغا يطلب
فيه منه قتل بابكيال