ثم انصرف إلى منزله فبعث الخليفة وراءه بالفرش والقماش وعشرين ألف دينار ، واستدعاه من
الغد فخلع عليه فأنشد وهو في الخلعة :
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها * فكيف ما انقلبت به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت * يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
وفيها جاءت الكتب بأن الروم دخلوا شميساط وأخذوا جميع ما فيها ، ونصبوا فيها خيمة الملك
وضربوا الناقوس في الجامع بها ، فأمر الخليفة مؤنس الخادم بالتجهيز إليهم ، وخلع عليه خلعة
سنية . ثم جاءت الكتب بأن المسلمين وثبوا على الروم فقتلوا منهم خلقا كثيرا جدا فلله الحمد والمنة .
ولما تجهز مؤنس للمسير جاءه بعض الخدم فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذا دخل لوداعه ،
وقد حضرت له ريبة في دار الخلافة مغطاة ليقع فيها ، فأحجم عن الذهاب . وجاءت الأمراء إليه من
كل جانب ليكونوا معه على الخليفة ، فبعث إليه الخليفة رقعة فيها خطه يحلف له أن هذا الامر الذي
بلغه ليس بصحيح . فطابت نفسه وركب إلى دار الخلافة في غلمانه ، فلما دخل على الخليفة خاطبه
مخاطبة عظيمة . وحلف أنه طيب القلب عليه ، وله عنده الصفاء الذي يعرفه . ثم خرج من بين يديه
معظما مكرما ، وركب العباس بن الخليفة والوزير ونصر الحاجب في خدمته لتوديعه ، وكبر الأمراء
بين يديه مثل الحجبة ، وكان خروجه يوما مشهودا ، قاصد بلاد الثغور لقتال الروم . وفي جمادى
الأولى منها قبض على رجل خناق قد قتل خلقا من النساء ، وكان يدعي لهن أنه يعرف العطف
والتنجيم ، فقصده النساء لذلك فإذا انفرد بالمرأة قام إليها ففعل الفاحشة وخنقها بوتر وأعانته امرأته
وحفر لها في داره فدفنها ، فإذا امتلأت تلك الدار من القتلى انتقل إلى دار أخرى . ولما ظهر عليه وجد
في داره التي هو فيها أخيرا سبع عشرة امرأة قد خنقهن ، ثم تتبعت الدور التي سكنها فوجوده قد قتل
شيئا كثيرا من النساء ، فضرب ألف سوط ثم خنق حتى مات . وفيها كان ظهور الديلم قبحهم الله
ببلاد الري ، وكان فيهم ملك غلب على أمرهم يقال له مرداويج ، يجلس على سرير من ذهب وبين
يديه سرير من فضة ، ويقول : أنا سليمان بن داود . وقد سار في أهل الري وقزوين وأصبهان سيرة
قبيحة جدا ، فكان يقتل النساء والصبيان في المهد ، ويأخذ أموال الناس ، وهو في غاية الجبروت
والشدة والجرأة على محارم الله عز وجل ، فقتلته الأتراك وأراح الله المسلمين من شره . وفيها كانت بين
يوسف بن أبي الساج وبين أبي طاهر القرمطي عند الكوفة موقعة فسبقه إليها أبو طاهر فحال بينه
وبينها ، فكتب إليه يوسف بن أبي الساج : اسمع وأطع وإلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوال
منها ، فكتب : هلم . فسار إليه ، فلما تراءا الجمعان استقل يوسف جيش القرمطي ، وكان مع
يوسف بن أبي الساج عشرون ألفا ، ومع القرمطي ألف فارس وخمسمائة رجل . فقال يوسف : وما
قيمة هؤلاء الكلاب ؟ وأمر الكاتب أن يكتب بالفتح إلى الخليفة قبل اللقاء ، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة
ثباتا عظيما ، ونزل القرمطي فحرض أصحابه وحمل بهم حملة صادقة ، فهزموا جند الخليفة ، وأسروا
يوسف بن أبي الساج أمير الجيش ، وقتلوا خلقا كثيرا من جند الخليفة ، واستحوذوا على الكوفة ،
البداية والنهاية — صفحة 176
مساهمون: ابن كثير
ص١٧٦