تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
ثم انصرف إلى منزله فبعث الخليفة وراءه بالفرش والقماش وعشرين ألف دينار ، واستدعاه من الغد فخلع عليه فأنشد وهو في الخلعة : ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها * فكيف ما انقلبت به انقلبوا يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت * يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا وفيها جاءت الكتب بأن الروم دخلوا شميساط وأخذوا جميع ما فيها ، ونصبوا فيها خيمة الملك وضربوا الناقوس في الجامع بها ، فأمر الخليفة مؤنس الخادم بالتجهيز إليهم ، وخلع عليه خلعة سنية . ثم جاءت الكتب بأن المسلمين وثبوا على الروم فقتلوا منهم خلقا كثيرا جدا فلله الحمد والمنة . ولما تجهز مؤنس للمسير جاءه بعض الخدم فأعلمه أن الخليفة يريد أن يقبض عليه إذا دخل لوداعه ، وقد حضرت له ريبة في دار الخلافة مغطاة ليقع فيها ، فأحجم عن الذهاب . وجاءت الأمراء إليه من كل جانب ليكونوا معه على الخليفة ، فبعث إليه الخليفة رقعة فيها خطه يحلف له أن هذا الامر الذي بلغه ليس بصحيح . فطابت نفسه وركب إلى دار الخلافة في غلمانه ، فلما دخل على الخليفة خاطبه مخاطبة عظيمة . وحلف أنه طيب القلب عليه ، وله عنده الصفاء الذي يعرفه . ثم خرج من بين يديه معظما مكرما ، وركب العباس بن الخليفة والوزير ونصر الحاجب في خدمته لتوديعه ، وكبر الأمراء بين يديه مثل الحجبة ، وكان خروجه يوما مشهودا ، قاصد بلاد الثغور لقتال الروم . وفي جمادى الأولى منها قبض على رجل خناق قد قتل خلقا من النساء ، وكان يدعي لهن أنه يعرف العطف والتنجيم ، فقصده النساء لذلك فإذا انفرد بالمرأة قام إليها ففعل الفاحشة وخنقها بوتر وأعانته امرأته وحفر لها في داره فدفنها ، فإذا امتلأت تلك الدار من القتلى انتقل إلى دار أخرى . ولما ظهر عليه وجد في داره التي هو فيها أخيرا سبع عشرة امرأة قد خنقهن ، ثم تتبعت الدور التي سكنها فوجوده قد قتل شيئا كثيرا من النساء ، فضرب ألف سوط ثم خنق حتى مات . وفيها كان ظهور الديلم قبحهم الله ببلاد الري ، وكان فيهم ملك غلب على أمرهم يقال له مرداويج ، يجلس على سرير من ذهب وبين يديه سرير من فضة ، ويقول : أنا سليمان بن داود . وقد سار في أهل الري وقزوين وأصبهان سيرة قبيحة جدا ، فكان يقتل النساء والصبيان في المهد ، ويأخذ أموال الناس ، وهو في غاية الجبروت والشدة والجرأة على محارم الله عز وجل ، فقتلته الأتراك وأراح الله المسلمين من شره . وفيها كانت بين يوسف بن أبي الساج وبين أبي طاهر القرمطي عند الكوفة موقعة فسبقه إليها أبو طاهر فحال بينه وبينها ، فكتب إليه يوسف بن أبي الساج : اسمع وأطع وإلا فاستعد للقتال يوم السبت تاسع شوال منها ، فكتب : هلم . فسار إليه ، فلما تراءا الجمعان استقل يوسف جيش القرمطي ، وكان مع يوسف بن أبي الساج عشرون ألفا ، ومع القرمطي ألف فارس وخمسمائة رجل . فقال يوسف : وما قيمة هؤلاء الكلاب ؟ وأمر الكاتب أن يكتب بالفتح إلى الخليفة قبل اللقاء ، فلما اقتتلوا ثبت القرامطة ثباتا عظيما ، ونزل القرمطي فحرض أصحابه وحمل بهم حملة صادقة ، فهزموا جند الخليفة ، وأسروا يوسف بن أبي الساج أمير الجيش ، وقتلوا خلقا كثيرا من جند الخليفة ، واستحوذوا على الكوفة ،