بالتجهز والسير إلى دار الملك التي فيها الإقامة وأخبرهم بخراب جميع البلدان سوى ذلك البلد ، وأن من لم يتجهز للسير بعث إِلَيْهِ الملك من يزعجه عن وطنه ، وينقله منه على أسوأ حال ، وجعل يصف صفات هذا الملك الحسنى من الجمال والكمال ، والجلال والإفضال .
فانقسم الناس في إجابة هذا الرسول الداعي إلى الملك أقسامًا عديدة :
فمنهم من صدقه ، ولم يكن له هم إلا السؤال عما يحب هذا الملك من الرعية واستصحابه إلى داره عند السير إِلَيْهِ .
فانشغل بتخليصه لنفسه ، وبدعاء من يمكنه دعاؤه من الخلق إلى ذلك ، وعما يكرهه الملك ، فاجتنبه وأمر الناس باجتنابه ، وجعل همه الأعظم السؤال عن صفات الملك وعظمته وإفضاله ، فزاد بذلك محبته لهذا الملك وإجلاله ، والشوق إلى لقائه ، فارتحل إلى الملك مستصحبًا لأنفس ما قدر عليه مما يحبه الملك ويرتضيه ، واستصحب معه ركبًا عظيمًا على مثل حاله ، سار بهم إلى دار الملك .
وقد عرف من جهة ذلك الدليل - وهو الرسول الصادق - أقرب الطرق التي يتوصل بالسير فيها إلى الملك ، وما ينفع من التزود للمسير فيها ، وعَمِلَ بمقتضى ذلك في السير هو ومن اتبعه .
فهذه صفة العلماء الربانيين الذين اهتدوا وهدوا الخلق معهم إلى طريق الله ، وهؤلاء يقدمون على الملك قدوم الغائب على أهله ، المنتظرين لقدومه ، المشتاقين إِلَيْهِ أشد الشوق .
وقسم آخرون اشتغلوا بالتأهب لمسيرهم بأنفسهم إلى الملك ولم يتفرغوا لاستصحاب غيرهم معهم .
وهذه صفة العباد الذين تعلموا ما ينفعهم في خاصة أنفسهم ، واشتغلوا بالعمل بمقتضاه .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 45
مساهمون: عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي )
ص٤٥