تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
فأحوال العارفين كلها تدل على أنّهم لم يكونوا يلتفتون إلى هذه الخوارق وإنما كان اهتمامهم بمعرفة الله وخشيته ، ومحبته والأنس به ، والشوق إلى لقائه وطاعته ، والعلماء الربانيون [ يشاركون ] ( 1 ) في ذلك ويزيدون عليهم بالعلم بأمر الله وبدعوة الخلق إلى الله . وهذا هو الفضل العظيم عند الله وملائكته ورسله كما قال بعض السلف : مَنْ عَمِلَ وَعَلِمَ وَعَلَّمَ فَذَلِكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ . وإذا ظهر فضل العالم على العابد ، فإنما المراد تفضيله على العابد بعلم ، فأما العابد بغير علم ؛ فإنه مذموم . ولهذا شبهه السلف بالسائر على غير طريق ، وبأنه يفسد أكثر مما يصلح . وبأنه كالحمار في الطاحون ، يدور حتى يهلك من التعب ولا ييرح من مكانه . وهذا أشد ظهورًا ووضوحًا من أن يحتاج إلى بسط القول فيه . ولنضرب هاهنا مثلاً جامعًا لأحوال الخلق كلهم ، بالنسبة إلى دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وانقسامهم في إجابة دعوته إلى : سابق ، ومقتصد ، وظالم لنفسه ، وبه يظهر فضل العلماء الربانيين على غيرهم من الناس أجمعين ، فنقول : مثل ذلك كمثل رسول قدم من بلد الملك الأعظم فأدى رسالة الملك إلى سائر البلدان ، وظهر لهم صدقه في رسالته ، فكان مضمون رسالته التي أداها عند الملك الأعظم إلى رعيته : أن هذا الملك لا إحسان أتم من إحسانه ، ولا عدل أكمل من عدله ، ولا بطش أشد من بطشه ، وأنه لابد أن يستدعي الرعية كلهم إِلَيْهِ ليقيموا عنده ، فمن قدم عليه بإحسان جازاه بإحسانه أفضل الجزاء ، ومن قدم عليه بإساءة جازاه بإساءته أشد الجزاء ، وأنه يحب كذا وكذا ، ويكره كذا وكذا ، ولم يدع شيئًا مما تعمله الرعية إلا أخبرهم بما يحبه الملك منه وبما يكره ، وأمرهم
هامش
( 1 ) في المطبوع : يشاركونهم .