تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
القسم الثالث من حملة العِلْم هم أهله وحملته ، ورعاته والقائمون بحجج الله وبيناته ، وذكر أنهم الأقلون عددًا ، [ الأعظمون ] ( * ) عند الله قدرًا إشارة إِلَى قلة هذا القسم وعزته في حملة العِلْم ، وغربته بينهم . وقد قسم الحسن البصري رحمه الله حملة القرآن إِلَى قريب من هذا التقسيم الَّذِي قسمه علي رضي الله عنه لحملة العِلْم . قال الحسن : قراء القرآن ثلاثة أصناف : صنف اتخذوه بضاعة يأكلون به ، وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده ، واستطالوا به عَلَى أهل بلادهم ، واسدنوا به الولاية ، كثر هذا الضرب من حملة القرآن ، لا كثرهم الله . وصنف عمدوا إِلَى دواء القرآن ، فوضعوه عَلَى داء قلوبهم ، فركدوا به في محاريبهم ، وحنوا في ( برانسهم ) ( 1 ) ، واستشعروا الخوف ، وارتدوا الحزن ، فأولئك الذين يسقي الله بهم الغيث ، وينصر بهم عَلَى الأعداء . والله لهؤلاء الضرب في حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر . فأخبر أن هذا القسم - وهم الذين قرءوا القرآن لله وجعلوه دواءًا لقلوبهم ، فأثمر لهم الخوف والحزن - أعز من الكبريت الأحمر بين قراء القرآن . ووصف أمير المؤمين علي رضي الله عنه هذا القسم من حملة العِلْم بصفات : منها أنه هجم بهم العِلْم عَلَى حقيقة الأمر ، ومعنى ذلك أن العِلْم دلهم عَلَى المقصود الأعظم منه ، وهو معرفة الله تعالى ، فخافوه وأحبوه ، حتى سهل بذلك عليهم كل ما تعسر عَلَى غيرهم ممن لم يصل إِلَى ما وصلوا إِلَيْهِ ، ممن وقف مع الدُّنْيَا وزهرتها ، واغتر بها ولم يباشر قلبه معرفة الله وعظمته وإجلاله .
هامش
( * ) كتب في الهامش : الأعظم . ( 1 ) البرنس : قلنسوة طويلة ، وكل ثوب رأسه منه ملتزق . " اللسان " مادة : " برنس " . [ وهو يشبه الثوب المغربي ] .