تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وزينة الجوارح بأعمال الإيمان ، وقد سمى الله تعالى التقوى لباس ، وأخبر أنها خير من لباس الأبدان - قال تعالى - : { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } ( 1 ) . وقال وهب بن منبه : أوحى الله تعالى إِلَى عيسى عليه السلام : " يا عيسى ، تزين لي بالدين ، وأحب المساكين " . وعنه أن الله تعالى لما بعث موسى وهارون عليهما السلام قال لهما : " إِنَّمَا يتزين لي أوليائي بالذكر والخشوع ، والخوف والتقوى ، تنبت في قلوبهم ، فتظهر عَلَى أجسادهم ، فهي ثيابهم التي يلبسون ، ودثارهم الَّذِي يظهرون ، وضميرهم الَّذِي يستشعرون ، ونجاتهم التي بها يفوزون ، ورجاؤهم الَّذِي إياه يأملون ، ومجدهم الَّذِي به يفتخرون ، وسيماهم التي بها يعرفون " . قال الحسن في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إِنَّ اللَّهَ جَمِيل يُحِبُّ الجَمَالَ " ( 2 ) قال : يحب أن يُتَجَمَّلَ له بالطاعة . وعنه قال : " إِنَّ لباس المؤمن التقوى ، وزينته الحياء " . فالزينة النافعة الدائمة الباقية هي زينة الإيمان والتقوى ، إذا شملت القلب والجوارح ، فإن أظهر التزيين بذلك ظاهرًا وقلبه فارغ عاد ذلك عليه شيئًا ، كما قال بعضهم : من تزيين للناس بما يعلم اللَّه منه خلافه شانه اللَّه عز وجل . وقال بعضهم لمن أظهر التزين بالعلم من غير عمل به : تزينوا بما شئتم ، فلن يزيدكم اللَّه إلا ( اتضاعًا ) ( 3 ) . وقال بعضهم : لا تقوم الساعة حتى يتزين الرجل بالعلم كما يتزين الرجل بثوبه . يعني : يظهره للناس تزينًا به عندهم من غير أن يزين قلبه وجوارحه بالعمل به ، وكان الفضيل يقول : تزينت لهم بالصوف فلم ترهم يرفعون بك رأسًا ، تزينت لهم بالقرآن ، ولم تزل تنزين لهم بشيء بعد شيء كل ذلك لحب الدُّنْيَا .
هامش
( 1 ) الأعراف : 26 . ( 2 ) أخرجه مسلم رقم ( 91 ) من حديث عبد الله بن مسعود . ( 3 ) اتضاعًا : من الضًعَة وهي الذل والهوان والدناءة . " لسان العرب " ( 8 / 397 ) .