فجمع جماعة من رؤوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى ، وذلك في
آخر شعبان ، فأحضر له جماعة من الأعيان وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي ، وأحضر أحمد بن
نصر ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب ، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شئ
مما كان منه في مبايعته العوام على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره ، بل أعرض عن ذلك كله
وقال له : ما تقول في القرآن ؟ فقال : هو كلام الله . قال : أمخلوق هو ؟ قال هو كلام الله . وكان أحمد بن
نصر قد استقل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما يسترها فقال له : فما تقول في
ربك ، أتراه يوم القيامة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والاخبار بذلك ، قال الله تعالى ( وجوه
يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 22 - 23 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم ترون ربكم كما ترون
هذا القمر لا تضامون في رؤيته ) ( 1 ) . فنحن على الخبر . زاد الخطيب قال الواثق : ويحك ! أيرى كما يرى
المحدود المتجسم ؟ ويحويه مكان ويحصره الناظر ؟ أنا أكفر برب هذه صفته .
قلت : وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم . ثم قال
أحمد بن نصر للواثق : وحدثني سفيان بحديث يرفعه ( إن قلب ابن آدم بأصبعين من أصابع لله يقلبه
كيف شاء ) ( 2 ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ( 3 ) . فقال له إسحاق بن
إبراهيم : ويحك ، انظر ما تقول . فقال : أنت أمرتني بذلك . فأشفق إسحاق من ذلك وقال : أنا
أمرتك ؟ قال : نعم ، أنت أمرتني أن أنصح له . فقال الواثق لمن حوله : ما تقولون في هذا الرجل ؟
فأكثروا القول فيه . فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل وكان موادا
لا حمد بن نصر قبل ذلك - يا أمير المؤمنين هو حلال الدم . وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب أحمد بن
أبي دؤاد : اسقني دمه يا أمير المؤمنين . فقال الواثق : لا بد أن يأتي ما تريد . وقال ابن أبي دؤاد : هو كافر
يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل . فقال الواثق : إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي ، فإني
أحتسب خطاي . ثم نهض إليه بالصمصامة - وقد كانت سيفا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أهديت
لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صفيحة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير - فلما انتهى إليه
ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع ، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه
بالصمصامة في بطنه فسقط صريعا رحمه الله على النطع ميتا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . رحمه الله وعفا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد ( 24 ) والمواقيت باب 16 ، 26 وفي تفسير سورة ( ق ) آية ( 2 ) ومسلم في المساجد
ح ( 211 ) وأبو داود في السنة ( 19 ) والترمذي في الجنة ( 16 ) ( 17 ) وابن ماجة في المقدمة باب ( 13 ) .
والإمام أحمد في المسند 4 / 360 ، 362 ، 365 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ( 89 ) . وأخرج نحوه الإمام أحمد في المسند 2 / 173 .
( 3 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة ( 13 ) والبخاري في التوحيد باب ( 11 ) والترمذي في القدر ( 7 ) والدعوات ( 89 )
والإمام أحمد في المسند 4 / 182 ، 418 ، 6 / 91 ، 251 ، 294 ، 302 .