ولما بلغ المأمون هذه الأبيات - وهي قصيدة طويلة - عارض فيها أبا نواس فتطلبه المأمون فهرب
منه ثم أحضر بين يديه فقال له : ويحك فضلت القاسم بن عيسى علينا . فقال : يا أمير المؤمنين أنتم
أهل بيت اصطفاكم الله من بين عباده ، وآتاكم ملكا عظيما ، وإنما فضلته على أشكاله وأقرانه . فقال :
والله ما أبقيت أحدا حيث تقول :
كل من في الأرض من عرب * بين باديه إلى حضره
ومع هذا فلا أستحل قتلك بهذا ، ولكن بشركك وكفرك حيث تقول في عبد ذليل :
أنت الذي تنزل الأيام منزلها * وتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد * إلا قضيت بأرزاق وآجال
ذاك الله يفعله ، أخرجوا لسانه من قفاه . فأخرجوا لسانه في هذه السنة فمات . وقد امتدح حميد
ابن عبد الحميد الطوسي :
إنما الدنيا حميد * وأياديه جسام * فإذا ولى حميد * فعلى الدنيا السلام
ولما مات حميد هذا رثاه أبو العتاهية بقوله :
أبا غانم أما ذراك فواسع * وقبرك معمور الجوانب محكم
وما ينفع المقبور عمران قبره * إذا كان فيه جسمه يتهدم
وقد أورد ابن خلكان لعكوك هذا أشعارا جيدة تركناها اختصارا .
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين
في يوم السبت لخمس بقين من ربيع الأول منها التقى محمد بن حميد وبابك الخرمي لعنه الله ،
فقتل الخرمي خلقا كثيرا من جيشه ، وقتله أيضا وانهزم بقية أصحاب ابن حميد ، فبعث المأمون
إسحاق بن إبراهيم ويحيى بن أكثم إلى عبد الله بن طاهر يخيرانه بين خراسان ، ونيابة الجبال
وأذربيجان وأرمينية ومحاربة بابك ، فاختار المقام بخراسان لكثرة احتياجها إلى الضبط ، وللخوف من
ظهور الخوارج . وفيها دخل أبو إسحاق بن الرشيد الديار المصرية فانتزعها من يد عبد السلام وابن
جليس وقتلهما . وفيها خرج رجل يقال له بلال الضبابي فبعث إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من
الأمراء فقتلوا بلالا ورجعوا إلى بغداد . وفيها ولى المأمون علي بن هشام الجبل وقم وأصبهان
وأذربيجان . وفيها حج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . وفيها
توفي أحمد بن خالد الموهبي ( 1 ) .
هامش
( 1 ) في تقريب التهذيب الذهبي ، ويقال الواهبي . الحمصي الكندي أبو سعيد راوي المغازي عن ابن إسحاق وكان
مكثرا حسن الحديث .