كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم ( 1 )
فطردهن وقام من فوره وأمر بتخريب ذلك المجلس وتحريق ما فيه .
وذكر أنه كان كثير الأدب فصيحا يقول الشعر ويعطي عليه الجوائز الكثيرة ، وكان شاعره أبا
نواس ، وقد قال فيه أبو نواس مدائح حسانا ، وقد وجده مسجونا في حبس الرشيد مع الزنادقة
فأحضره وأطلقه وأطلق له مالا وجعله من ندمائه ، ثم حبسه مرة أخرى في شرب الخمر وأطال حبسه
ثم أطلقه وأخذ عليه العهد أن لا يشرب الخمر ولا يأتي الذكور من المردان فامتثل ذلك ، وكان لا يفعل
شيئا من ذلك بعد ما استتابه الأمين ، وقد تأدب على الكسائي وقرأ عليه القرآن . وروى الخطيب من
طريقه حديثا أورده عنه لما عزي في غلام له توفي بمكة فقال : حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه
عن علي بن عبد الله عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما مات محرما حشر ملبيا " ( 2 ) .
وقد قدمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفرقة ، حتى أفضى ذلك إلى خلعه وعزله ، ثم
إلى التضييق عليه ، ثم إلى قتله ، وأنه حصر في آخر أمره حتى احتاج إلى مصانعة هرثمة ، وأنه ألقي في
حراقة ثم ألقي منها فسبح إلى الشط الآخر فدخل دار بعض العامة وهو في غاية الخوف والدهش
والجوع والعرى ، فجعل الرجل يلقنه الصبر والاستغفار ، فاشتغل بذلك ساعة من الليل ، ثم جاء
الطلب وراءه من جهة طاهر بن الحسين بن مصعب ، فدخلوا عليه وكان الباب ضيقا فتدافعوا عليه
وقام إليهم فجعل يدافعهم عن نفسه بمخدة في يده ، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه وضربوا رأسه أو
خاصرته بالسيوف ، ثم ذبحوه وأخذوا رأسه وجثته فأتوا بهما طاهرا ، ففرح بذلك فرحا شديدا ، وأمر
بنصب الرأس فوق رمح هناك حتى أصبح الناس فنظروا إليه فوق الرمح عند باب الأنبار ، وكثر عدد
الناس ينظرون إليه . ثم بعث طاهر برأس الأمين مع ابن عمه محمد بن مصعب ، وبعث معه بالبردة
والقضيب والنعل ( 3 ) - وكان من خوص مبطن - فسلمه إلى ذي الرياستين ، فدخل به على المأمون على
ترس ، فلما رآه سجد وأمر لمن جاء به بألف ألف درهم . وقد قال ذو الرياستين حين قدم الرأس يؤلب
على طاهر : أمرناه بأن يأتي به أسيرا فأرسل به إلينا عقيرا ( 4 ) . فقال المأمون : مضى ما مضى . وكتب
طاهر إلى المأمون كتابا ذكر فيه صورة ما وقع حتى آل الحال إلى ما آل إليه ( 5 )
هامش
( 1 ) البيت للنابغة وهو في ديوانه .
( 2 ) الحديث في البخاري صيد 13 ، 31 وأخرجه في الجنائز ( 21 ) والترمذي في الحج ( 103 ) والنسائي في الجنائز ( 41 )
وابن ماجة في المناسك ( 89 ) والدارمي في المناسك ( 35 ) ومالك في الموطأ في الحج : ( 16 ) .
( 3 ) في الطبري 10 / 202 : المصلى وهو من سعف مبطن .
( 4 ) انظر ابن الأعثم 8 / 308 ، وأما في مروج الذهب 3 / 504 قال : " فقال الفضل بن سهل : الحمد لله يا أمير
المؤمنين على النعمة الجليلة ، فإن محمدا كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته " .
( 5 ) نسخة كتاب طاهر في الطبري 10 / 203 .