الرحمن المخزومي فامتنع ، وقال : لمن أدعو وقد هرب نواب البلاد . فقدم الناس رجلا منهم فصلى بهم
الظهر والعصر ، وبلغ الخبر إلى حسين الأفطس فدخل مكة في عشرة أنفس قبل الغروب فطاف
بالبيت ، ثم وقف بعرفة ليلا وصلى بالناس الفجر بمردلفة وأقام بقية المناسك في أيام منى ، فدفع الناس
من عرفة بغير إمام . وفيها توفي إسحاق بن سليمان ( 1 ) . وابن نمير ( 2 ) . وابن شابور ( 3 ) . وعمرو
العنبري ، والد مطيع البلخي ، ويونس بن بكير ( 4 ) .
ثم دخلت سنة مائتين من الهجرة
في أول يوم منها جلس حسين بن حسن الأفطس على طنفسة مثلثة خلف المقام وأمر بتجريد
الكعبة مما عليها من كساوي بني العباس ، وقال : نطهرها من كساويهم . وكساها ملاءتين صفراوتين
عليهما اسم أبي السرايا ، ثم أخذ ما في كنز الكعبة من الأموال ، وتتبع ودائع بني العباس فأخذها ، حتى
أنه أخذ مال ذوي المال ويزعم أنه للمسودة . وهرب منه الناس إلى الجبال ، وسبك ما على رؤوس
الأساطين من الذهب ، وكان ينزل مقدار يسير بعد جهد ، وقلعوا ما في المسجد الحرام من الشبابيك
وباعوها بالبخس ، وأساؤوا السيرة جدا . فلما بلغه مقتل أبي السرايا كتم ذلك وأمر رجلا من الطالبيين
شيخا كبيرا ، واستمر على سوء السيرة ، ثم هرب في سادس عشر المحرم منها ، وذلك لما قهر هرثمة أبا
السرايا وهزم جيشه وأخرجه ومن معه من الطالبيين من الكوفة ، ودخلها هرثمة ومنصور بن المهدي
فأمنوا أهلها ولم يتعرضوا لاحد . وسار أبو السرايا بمن معه إلى القادسية ، ثم سار منها فاعترضهم
بعض جيوش المأمون فهزمهم أيضا وجرح أبو السرايا جراحة منكرة جدا ، وهربوا يريدون الجزيرة إلى
منزل أبي السرايا برأس العين ، فاعترضهم بعض الجيوش أيضا فأسروهم وأتوا بهم الحسن بن سهل
وهو بالنهروان حين طردته الحربية ، فأمر بضرب عنق أبي السرايا فجزع من ذلك جزعا شديدا جدا
وطيف برأسه وأمر بجسده أن يقطع اثنتين وينصب على جسري بغداد ، فكان بين خروجه وقتله عشرة
أشهر . فبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد إلى المأمون مع رأس أبي السرايا . وقال بعض الشعراء :
ألم تر ضربة الحسن بن سهل * بسيفك يا أمير المؤمنينا
هامش
( 1 ) إسحاق بن سليمان الرازي الكوفي الأصل روى عن ابن أبي ذئب وكان عابدا خاشعا .
( 2 ) وهو عبد الله بن نمير الخارفي ، أبو هشام الكوفي ، صاحب حديث عاش بضعا وثمانين سنة وثقه ابن معين وغيره .
والخارفي نسبة إلى خارف بطن من همدان نزلوا الكوفة .
( 3 ) ابن شابور من تقريب التهذيب ، وفي الأصل ابن سابور ، وهو محمد بن شعيب بن شابور الأموي مولاهم
الدمشقي نزيل بيروت صدوق كان من علماء المحدثين وعقلائهم المشهورين مات وله 84 سنة .
( 4 ) يونس بن بكير : أبو بكر الشيباني الكوفي الحافظ صاحب المغازي . صدوق . قال ابن معين : ثقة وقال أبو
زرعة : لا أعلمه مما ينكر عليه في الحديث وقال النسائي : ليس بالقوي .