ورأى أن أباه لا ينزع عن هذا ، فذهب إلى الفضل بن الربيع فأعلمه ، فأخبر الفضل الخليفة ،
فاستدعى به فاستخبره فأخبره ، فقال : من يشهد معك عليه ؟ فقال : فلان الخادم فجاء به فشهد ،
فقال الرشيد : لا يحل قتل أمير كبير بمجرد قول غلام وخصي ، لعلهما قد تواطئا على ذلك . فأحضره
الرشيد معه على الشراب ثم خلا به فقال : ويحك يا إبراهيم ! إن عندي سرا أحب أن أطلعك عليه ،
أقلقني في الليل والنهار . قال : وما هو ؟ قال : إني ندمت على قتل البرامكة ووددت أني خرجت من
نصف ملكي ونصف عمري ولم أكن فعلت بهم ما فعلت ، فإني لم أجد بعدهم لذة ولا راحة . فقال :
رحمة الله على أبي الفضل - يعني جعفرا - وبكى ، وقال : والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله . فقال
له : قم لعنك الله ، ثم حبسه ثم قتله بعد ثلاثة أيام . وسلم أهله وولده .
وفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بسبب أنه بلغه أن يريد الخلافة ،
واشتد غضبه بسببه على البرامكة الذين هم في الحبوس ، ثم سجنه فلم يزل في السجن حتى مات
الرشيد فأخرجه الأمين وعقد له على نيابة الشام . وفيها ثارت العصبية بالشام بين المضرية والنزارية ،
فبعث إليهم الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم .
وفيها كانت زلزلة عظيمة بالمصيصة فانهدم بعض سورها ونضب ماؤها ساعة من الليل . وفيها
بعث الرشيد ولده القاسم على الصائفة ، وجعله قربانا ووسيلة بين يديه ، وولاه العواصم ، فسار إلى
بلاد الروم فحاصرهم حتى افتدوا بخلق من الأسارى يطلقونهم ويرجع عنهم ، ففعل ذلك . وفيها
نقضت الروم الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين ، الذي كان عقده الرشيد بينه وبين رني ملكة
الروم الملقبة أغسطه . وذلك أن الروم عزلوها عنهم وملكوا عليهم النقفور ، وكان شجاعا ، يقال إنه
من سلالة آل جفنة ، فخلعوا رني وسملوا عينيها . فكتب نقفور إلى الرشيد : من نقفور ملك الروم
إلى هارون ملك العرب ، أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ ، وأقامت نفسها مقام
البيدق ، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله ( 1 ) إليها ، وذلك من ضعف النساء
وحمقهن ، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إلي ما حملته إليك من الأموال وافتد نفسك به ، وإلا فالسيف
بيننا وبينك . فلما قرأ هارون الرشيد كتابه أخذه الغضب الشديد حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه ،
ولا يستطيع مخاطبته ، وأشفق عليه جلساؤه خوفا منه ، ثم استدعى بدواة وكتب على ظهر الكتاب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم . قد قرأت كتابك يا بن
الكافرة ، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام . ثم شخص من فوره وسار حتى نزل بباب هرقلة
ففتحها واصطفى ابنة ملكها ، وغنم من الأموال شيئا كثيرا ، وخرب وأحرق ، فطلب نقفور منه
الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة ، فأجابه الرشيد إلى ذلك . فلما رجع من غزوته وصار بالرقة
نقض الكافر العهد وخان الميثاق ، وكان البرد قد اشتد جدا ، فلم يقدر أحد أن يجئ فيخبر الرشيد
هامش
( 1 ) في ابن الأثير 6 / 185 : أضعافها .