مشتراها عليه بمن معها من الجواري مائة ألف دينار ، فطلبها منه الرشيد فامتنع من ذلك ، فلما قتله
الرشيد اصطفى تلك الجارية فأحضرها ليلة في مجلس شرابه وعنده جماعة من جلسائه وسماره ، فأمر
من معها أن يغنين فاندفعت كل واحدة تغني ، حتى انتهت النوبة إلى فتينة ، فأمرها بالغناء فأسبلت
دمعها وقالت : أما بعد السادة فلا . فغضب الرشيد غضبا شديدا ، وأمر بعض الحاضرين أن
يأخذها إليه فقد وهبها له ، ثم لما أراد الانصراف قال له فيما بينه وبينه : لا تطأها . ففهم أنه إنما يريد
بذلك كسرها . فلما كان بعد ذلك أحضرها وأظهر أنه قد رضي عنها وأمرها بالغناء فامتنعت وأرسلت
دمعها وقالت : أما بعد السادة فلا . فغضب الرشيد أشد من غضبه في المرة الأولى وقال : النطع
والسيف ، وجاء السياف فوقف على رأسها فقال له الرشيد : إذا أمرتك ثلاثا وعقدت أصابعي ثلاثا
فاضرب . ثم قال لها غن : فبكت وقالت : أما بعد السادة فلا . فعقد أصبعه الخنصر ، ثم أمرها
الثانية فامتنعت ، فعقد اثنتين ، فارتعد الحاضرون وأشفقوا غاية الاشفاق وأقبلوا عليها يسألونها أن
تغني لئلا تقتل نفسها ، وأن تجيب أمير المؤمنين إلى ما يريد . ثم أمرها الثالثة فاندفعت تغني كارهة :
لما رأيت الدنيا قد درست * أيقنت أن النعيم لم يعد
قال فوثب إليها الرشيد وأخذ العود من يدها وأقبل يضرب به وجهها ورأسها حتى تكسر ،
وأقبلت الدماء وتطايرت الجوار من حولها ، وحملت من بين يديه فماتت بعد ثلاث .
وروي أن الرشيد كان يقول : لعن الله من أغراني بالبرامكة ، فما وجدت بعدهم لذة ولا راحة
ولا رجاء ، وددت والله أني شطرت نصف عمري وملكي وأني تركتهم على حالهم .
وحكى ابن ؟ ن أن جعفرا اشترى جارية من رجل بأربعين ألف دينار ، فالتفتت إلى بائعها
وقالت : أذكر العهد الذي بيني وبينك ، لا تأكل من ثمني شيئا . فبكى سيدها وقال : اشهدوا أنها
حرة ، وأني قد تزوجتها . فقال جعفر : أشهدوا أن الثمن له أيضا . وكتب إلى نائب له : أما بعد فقد
كثر شاكوك ، وقل شاكروك ، فأما أن تعدل ، وإما تعتزل . ومن أحسن ما وقع منه من التلطف في
إزالة هم الرشيد ، وقد دخل عليه منجم يهودي فأخبره أنه سيموت في هذه السنة ، فحمل الرشيد هما
عظيما ، فدخل عليه جعفر فسأله : ما الخبر ؟ فأخبره بقول اليهودي فاستدعى جعفر اليهودي فقال
له : كم بقي لك من العمر ؟ فذكر مدة طويلة . فقال : يا أمير المؤمنين اقتله حتى تعلم كذبه فيما أخبر
عن عمره . فأمر الرشيد باليهودي فقتل ، وسرى عن الرشيد الذي كان فيه .
وبعد مقتل البرامكة قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك ، وذلك أنه حزن على البرامكة ،
ولا سيما على جعفر ، كان يكثر البكاء عليهم ، ثم خرج من حيز البكاء إلى حيز الانتصار لهم والاخذ
بثأرهم ، وكان إذا شرب في منزله يقول لجاريته : ائتني بسيفي ، فيسله ثم يقول : والله لأقتلن
قاتله ، فأكثر أن يقول ذلك ، فخشي ابنه عثمان أن يطلع الخليفة على ذلك فيهلكهم عن آخرهم ،
البداية والنهاية — صفحة 208
مساهمون: ابن كثير
ص٢٠٨