دخلت عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة والمسودة عن يمينه وشماله ، ومعهم السيوف مصلتة
- والعمد الحديد - فسلمت عليه فلم يرد ونكت بتلك الخيزرانة التي في يده ثم قال : يا أوزاعي ما ترى
فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد والبلاد ؟ أجهادا ورباطا هو ؟ قال : فقلت : أيها
الأمير سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول : سمعت محمد بن إبراهيم التيمي يقول : سمعت
علقمة بن وقاص يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنما الأعمال
بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن
كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " . قال : فنكت بالخيزرانة أشد مما
كانت ينكت ، وجعل من حوله يقبضون أيديهم على قبضات سيوفهم ، ثم قال : يا أوزاعي ما تقول في
دماء بني أمية ؟ فقلت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : النفس
بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " . فنكت بها أشد من ذلك ثم قال : ما تقول
في أموالهم ؟ فقلت : إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا ، وإن كانت لهم حلالا فلا تحل
لك إلا بطريق شرعي . فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك ثم قال : ألا نوليك القضاء ؟ فقلت : إن
أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك ، وإني أحب أن يتم ما ابتدؤني به من الاحسان . فقال : كأنك
تحب الانصراف ؟ فقلت : إن ورائي حرما وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن ، وقلوبهن مشغولة
بسببي . قال : وانتظرت رأسي أن يسقط بين يدي ، فأمرني بالانصراف . فلا خرجت إذا برسوله من
ورائي ، وإذا معه مائتا دينار ، فقال يقول لك الأمير : استنفق هذه . قال : فتصدقت بها ، وإنما أخذتها
خوفا . قال : وكان في تلك الأيام الثلاثة صائما فيقال إن الأمير لما بلغه ذلك عرض عليه الفطر عنده فأبى
أن يفطر عنده .
قالوا : ثم رحل الأوزاعي من دمشق فنزل بيروت مرابطا بأهله وأولاده ، قال الأوزاعي :
وأعجبني في بيروت أني مررت بقبورها فإذا امرأة سوداء في القبور فقلت لها : أين العمارة يا هنتاه ؟
فقالت : إن أردت العمارة فهي هذه - وأشارت إلى القبور - وإن كنت تريد الخراب فأمامك - وأشارت
إلى البلد - فعزمت على الإقامة بها . وقال محمد بن كثير : سمعت الأوزاعي يقول : خرجت يوما إلى
الصحراء فإذا رجل جراد وإذا شخص راكب على جرادة منها وعليه سلاح الحديد ، وكلما قال بيده
هكذا إلى جهة مال الجراد مع يده ، وهو يقول : الدنيا باطل باطل باطل ، وما فيها باطل باطل باطل .
وقال الأوزاعي : كان عندنا رجل يخرج يوم الجمعة إلى الصيد ولا ينتظر الجمعة فخسف ببغلته فلم
يبق منها إلا أذناها ، وخرج الأوزاعي يوما من باب مسجد بيروت وهناك دكان فيه رجل يبيع الناطف
وإلى جانبه رجل يبيع البصل وهو يقول : يا بصل أحلى من العسل ، أو قال أحلى من الناطف . فقال
الأوزاعي : سبحان الله ! أيظن هذا أن شيئا من الكذب يباح ؟ فكأن هذا ما يرى في الكذب بأسا .
البداية والنهاية — صفحة 126
مساهمون: ابن كثير
ص١٢٦