وقال الواقدي : قال الأوزاعي كنا قبل اليوم نضحك ونلعب ، أما إذا صرنا أئمة يقتدى بنا فلا
نرى أن يسعنا ذلك ، وينبغي أن نتحفظ . وكتب إلى أخ له : أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب ،
وإنه يسار بك في كل يوم وليلة ، فاحذر الله والقيام بين يديه ، وأن يكون آخر العهد بك والسلام .
وقال ابن أبي الدنيا : حدثني محمد بن إدريس سمعت أبا صالح - كاتب الليث - يذكر عن الهقل
ابن زياد عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته : أيها الناس ، تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على
الهرب من نار الله الموقدة ، التي تطلع الأفئدة ، فإنكم في دار الثواء فيها قليل ، وأنتم عما قليل عنها
راحلون ، خلائف بعد القرون الماضية الذين استقبلوا من الدنيا آنقها وزهرتها ، فهم كانوا أطول منكم
أعمارا وأمد أجساما ، وأعظم أحلاما ، وأكثر أموالا وأولادا ، فخددوا الجبال وجابوا الصخر بالواد ،
وتنقلوا في البلاد ، مؤيدين ببطش شديد ، وأجساد كالعماد ، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت آثارهم ،
وأخربت منازلهم وديارهم ، وأنست ذكرهم ، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع له ركزا ؟ كانوا بلهو
الامل آمنين ، وعن ميقات يوم موتهم غافلين ، فآبوا إياب قوم نادمين ، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل
بساحتهم بياتا من عقوبة الله ، فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين ، وأصبح الباقون المتخلفون
يبصرون في نعمة الله وينظرون في آثار نقمته ، وزوال نعمته عمن تقدمهم من الهالكين ينظرون والله في
مساكن خالية خاوية ، قد كانت بالعز محفوفة ، وبالنعم معروفة ، والقلوب إليها مصروفة ، والأعين
نحوها ناظرة ، فأصبحت آية للذين يخافون العذاب الأليم ، وعبرة لمن يخشى . وأصبحتم بعدهم في
أجل منقوص ودنيا منقوصة ، في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه وخيره وصفوه ، فلم يبق منه إلا جمة
شر ، وصبابة كدر ، وأهاويل عبر ، وعقوبات غير ، وإرسال فتن وتتابع زلازل ، ورذالة خلف بهم ظهر
الفساد في البر والبحر ، يضيقون الديار ويغلون الأسعار بما يرتكبونه من العار والشنار ، فلا تكونوا
أشباها لمن خدعه الامل ، وغره طول الاجل ، ولعبت به الأماني ، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن إذا
دعي بدر ، وإذا نهي انتهى ، وعقل مثواه فمهد لنفسه .
وقد اجتمع الأوزاعي بالمنصور حين دخل الشام ووعظه وأحبه المنصور وعظمه ، ولما أراد
الانصراف من بين يديه استأذنه أن لا يلبس السواد فأذن له ، فلما خرج قال المنصور للربيع الحاجب :
الحقه فاسأله لم كره لبس السواد ؟ ولا تعلمه أني قلت لك . فسأله الربيع فقال : لأني لم أر محرما أحرم
فيه ، ولا ميتا كفن فيه ، ولا عروسا جليت فيه ، فلهذا أكرهه . وقد كان الأوزاعي في الشام معظما
مكرما أمره أعز عندهم من أمر السلطان ، وقد هم به بعض الولاة مرة فقال له أصحابه : دعه عنك
والله لو أمر أهل الشام أن يقتلوك لقتلوك . ولما مات جلس على قبره بعض الولاة فقال : رحمك الله ،
فوالله لقد كنت أخاف منك أكثر مما أخاف من الذي ولاني - يعني المنصور - وقال ابن العشرين : ما
مات الأوزاعي حتى جلس وحده وسمع شتمه بأذنه .
البداية والنهاية — صفحة 127
مساهمون: ابن كثير
ص١٢٧