على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع ، فحلف أن لا يقلع عنه حتى يعمل له ، فأخبر بذلك أبو حنيفة
فدعا بقصبة فعد اللبن ليبر بذلك يمين أبي جعفر ، ومات أبو حنيفة ببغداد بعد ذلك . وذكر أن خالد
ابن برمك هو الذي أشار على المنصور ببنائها ، وأنه كان مستحثا فيها للصناع ، وقد شاور المنصور
الأمراء في نقل القصر الأبيض من المدائن إلى بغداد لأجل قصر الامارة بها ، فقالوا : لا تفعل فإنه آية في
العالم ، وفيه مصلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . فخالفهم ونقل منه شيئا كثيرا فلم يف ما تحصل منه
بأجرة ما يصرف في حمله فتركه ، ونقل أبواب قصر واسط إلى أبواب قصر الامارة ببغداد . وقد كان
الحجاج نقل حجارته من مدينة هناك ( 1 ) كانت من بناء سليمان بن داود ، وكانت الجن قد عملت تلك
الأبواب ، وهي حجارة هائلة . وقد كانت الأسواق وضجيجها تسمع من قصر الامارة ، فكانت
أصواب الباعة وهوسات الأسواق تسمع منه ، فعاب ذلك بعض بطارقة النصارى ممن قدم في بعض
الرسائل من الروم ، فأمر المنصور بنقل الأسواق من هناك إلى موضع آخر ( 2 ) ، وأمر بتوسعة الطرقات
أربعين ذراعا في أربعين ذراعا ، ومن بنى في شئ من ذلك هدم .
قال ابن جرير : وذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال : وجدت في خزائن المنصور في الكتب أنه
أنفق على بناء مدينة السلام ومسجدها الجامع وقصر الذهب بها والأسواق وغير ذلك ، أربعة آلاف
ألف وثمانمائة ألف وثلاثة وثمانين ألف درهم ، وكان أجرة الأستاذ من البنائين كل يوم قيراط فضة ،
وأجرة الصانع من الحبتين إلى الثلاثة . قال الخطيب البغدادي : وقد رأيت ذلك في بعض الكتب ،
وحكى عن بعضهم أنه قال : أنفق عليه ثمانية عشر ألف ألف فالله أعلم .
وذكر ابن جرير أن المنصور ناقص أحد المهندسين ( 3 ) الذي بنى له بيتا حسنا في قصر الامارة
فنقصه درهما عما ساومه ، وأنه حاسب بعض المستحثين على الذي كان عنده ففضل عنده خمسة عشر
درهما فحبسه حتى جاء بها وأحضرها وكان شحيحا . قال الخطيب : وبناها مدورة ، ولا يعرف في أقطار
الأرض مدينة مدورة سواها ، ووضع أساسها في وقت اختاره له نوبخت المنجم . ثم ذكر عن بعض
المنجمين قال : قال لي المنصور لما فرغ من بناء بغداد : خذ الطالع لها ، فنطرت في طالعها - وكان
المشتري في القوس - فأخبرته بما تدل عليه النجوم ، من طول زمانها ، وكثرة عمارتها ، وانصباب الدنيا
إليها وفقر الناس إلى ما فيها . قال : ثم قلت له : وأبشرك يا أمير المؤمنين أنه لا يموت فيها أحد من
الخلفاء أبدا . قال : فرأيته يبتسم ثم قال : الحمد لله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل
العظيم . وذكر عن بعض الشعراء أنه قال في ذلك شعرا منه :
هامش
( 1 ) يقال لها مدينة الزند ورد ، وفي معجم البلدان ( بغداد ) : بزند ورد
( 2 ) قال ابن الأثير 5 / 574 : وقيل : إنما أخرجهم لان الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها وربما كان فيهم الجاسوس . ومن
يتعرف الاخبار أو أن يفتح أبواب المدينة ليلا لموضع السوق ( انظر الطبري 9 / 262 ) .
( 3 ) وهو خالد بن الصلت وكان أبو جعفر قد ولاه النفقة على أحد أرباع المدينة وهي تبنى .