ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة
فيها تكامل بناء مدينة السلام بغداد ، وسكنها المنصور في صفر من هذه السنة ، وكان مقيما قبل
ذلك بالهاشمية المتاخمة للكوفة ، وكان قد شرع في بنائها في السنة الخارجة ، وقيل في سنة أربع وأربعين
ومائة فالله أعلم .
وقد كان السبب الباعث له على بنائها أن الراوندية لما وثبوا عليه بالكوفة ووقاه الله شرهم ،
بقيت منهم بقية فخشي على جنده منهم ، فخرج من الكوفة يرتاد لهم . موضعا لبناء مدينة ، فسار في
الأرض حتى بلغ الجزيرة فلم ير موضعا أحسن لوضع المدينة من موضع بغداد الذي هي فيه الآن ،
وذلك بأنه موضع يغدا إليه ويراح بخيرات ما حوله في البر والبحر ، وهو محصن بدجلة والفرات من
ههنا وههنا ، لا يقدر أحد أن يتوصل إلى موضع الخليفة إلا على جسر ، وقد بات به المنصور قبل بنائه
ليالي فرأى الرياح تهب به ليلا ونهارا من غير انجعار ولا غبار ، ورأى طيب تلك البقعة وطيب هوائها ،
وقد كان في موضعها قرى وديور لعباد النصارى وغيرهم - ذكر ذلك مفصلا بأسمائه وتعداده أبو جعفر
ابن جرير - فحينئذ أمر المنصور باختطاطها فرسموها له بالرماد فمشى في طرقها ومسالكها فأعجبه
ذلك ، ثم سلم كل ربع منها لأمير يقوم على بنائه ، وأحضر من كل البلاد فعالا وصناعا ومهندسين ،
فاجتمع عنده ألوف منهم ، ثم كان هو أول من وضع لبنة فيها بيده وقال : بسم الله والحمد لله ،
والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . ثم قال : ابنوا على بركة الله . وأمر ببنائها
مدورة سمك سورها من أسفله خمسون ذراعا ، ومن أعلاه عشرون ذراعا ، وجعل لها ثمانية أبواب في
السور البراني ، ومثلها في الجواني ، وليس كل واحد تجاه الآخر ، ولكن جعله أزور عن الذي يليه ،
ولهذا سميت بغداد الزوراء ، لازورار أبوابها بعضها عن بعض ، وقيل سميت بذلك لانحراف دجلة
عندها .
وبنى قصر الامارة في وسط البلد ليكون الناس منه على حد سواء ، واختط المسجد الجامع إلى
جانب القصر ، وكان الذي وضع قبلته الحجاج بن أرطاة . وقال ابن جرير : ويقال إن في قبلته انحرافا
يحتاج المصلي فيه أن ينحرف إلى ناحية باب البصرة ، وذكر أن [ قبلة ] ( 1 ) مسجد الرصافة أقرب إلى
الصواب منه لأنه بني قبل القصر ، وجامع المدينة بني على القصر ، فاختلت قبلته بسبب ذلك . وذكر
ابن جرير عن سليمان بن مجالد أن المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء بها فأبى وامتنع
فحلف المنصور أن يتولى له ، وحلف أبو حنيفة أن لا يتولى له ، فولاه القيام بأمر المدينة وضرب اللبن ،
وأخذ الرجال بالعمل ، فتولى ذلك حتى فرغوا من استتمام حائط المدينة مما يلي الخندق ، وكان
استتمامه في سنة أربع وأربعين ومائة . قال ابن جرير : وذكر عن الهيثم بن عدي : أن المنصور عرض
هامش
( 1 ) من الطبري 9 / 261 .