وأما أخوه إبراهيم فكان ظهوره بالبصرة بعد ظهور أخيه بالمدينة وكان مقتله بعد مقتل أخيه في
ذي الحجة من هذه السنة وليس له شئ في الكتب الستة ، وحكى أبو داود السجستاني عن أبي عوانة
أنه قال : كان إبراهيم وأخوه محمد خارجين . قال داود : ليس كما قال ، هذا رأي الزيدية قلت : وقد
حكي عن جماعة من العلماء والأئمة أنهم مالوا إلى ظهورهما .
وفيها توفي من المشاهير والأعيان
الأجلح بن عبد الله ، وإسماعيل بن أبي خالد في قول ، وحبيب بن الشهيد ، وعبد الملك بن أبي
سليمان ، وعمرو مولى عفرة ، ويحيى بن الحارث الذماري ، ويحيى بن سعيد أبو حيان التيمي ، ورؤبة
ابن العجاج والعجاج لقب واسمه أبو الشعثاء عبد الله بن رؤبة ، وأبو محمد التميمي البصري ،
الراجز بن الراجز ، ولكل منهما ديوان رجز ، وكل منهما بارع في فنه لا يجارى ولا يماري ، عالم باللغة .
وعبد الله بن المقفع الكاتب المفوه ، أسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح والمنصور ، وكتب له ، وله
رسائل وألفاظ صحيحة ، وكان متهما بالزندقة ، وهو الذي صنف كتاب كليلة ودمنة ، ويقال : بل هو
الذي عربها من المجوسية إلى العربية . قال المهدي : ما وجد كتاب زندقة إلا وأصله من ابن المقفع ،
ومطيع بن إياس ، ويحيى بن زياد . قالوا ونسي الجاحظ وهو رابعهم . وكان مع هذا فاضلا بارعا
فصيحا . قال الأصمعي : قيل لابن المقفع بن أدبك ؟ قال : نفسي ، إذا رأيت من غيري قبيحا أبيته ،
وإذا رأيت حسنا أتيته . ومن كلامه : شربت من الخطب ريا ، ولم أضبط لها رويا ، فغاضت ثم
فاضت ، فلا هي نظاما ، ولا نسيت غيرها كلاما .
وكان قتل ابن المقفع على يد سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة نائب البصرة ،
وذلك أنه كان يعبث به ويسب أمه ، وإنما كان يسميه ابن المعلم ، وكان كبير الانف ، وكان إذا دخل
عليه يقول : السلام عليكما - على سبيل التهكم - وقال لسفيان بن معاوية مرة : ما ندمت على سكوت
قط . فقال : صدقت ، الخرس لك خير من كلامك . ثم اتفق أن المنصور غضب على ابن المقفع فكتب
إلى نائبه سفيان بن معاوية هذا أن يقتله ، فأخذه فأحمى له تنورا وجعل يقطعه إربا إربا ويلقيه في ذلك
التنور حتى حرقه كله وهو ينظر إلى أطرافه كيف تقطع ثم تحرق ، وقيل غير ذلك في صفة قتله . قال ابن
خلكان : ومنهم من يقول إن ابن المقفع نسب إلى بيع القفاع وهي من الجريد كالزنبيل بلا آذان ،
والصحيح أنه ابن المقفع وهو أبو دارويه كان الحجاج قد استعمله على الخراج فخان فعاقبه حتى
تقفعت يداه والله أعلم .
وفيها خرج الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة . وحج بالناس
في هذه السنة نائب المدينة عبد الله بن الربيع الحارثي . وعلى الكوفة عيسى بن موسى ، وعلى البصرة
مسلم بن قتيبة وعلى مصر يزيد بن حاتم .