القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم . ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن عمران بن حصين :
قال قال أهل اليمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم " جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الامر فقال كان
الله ولم يكن شئ قبله * وفي رواية معه ، وفي رواية غيره " وكان عرشه على الماء . وكتب في الذكر
كل شئ وخلق السماوات والأرض " وفي لفظ : ثم خلق السماوات والأرض . فسألوه عن ابتداء
خلق السماوات والأرض . ولهذا قالوا جئناك نسألك عن أول هذا الامر فأجابهم عما سألوا فقط .
ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر به في حديث أبي رزين المتقدم . قال ابن جرير وقال آخرون
" بل خلق الله عز وجل الماء قبل العرش " رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن
ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : قالوا " ان الله كان
عرشه على الماء ( 1 ) ، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء " وحكى ابن جرير عن محمد بن إسحاق أنه
قال " أول ما خلق الله عز وجل النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما ، وجعل
النور نهارا مضيئا مبصرا " قال ابن جرير وقد قيل : " إن الذي خلق ربنا بعد القلم الكرسي . ثم
خلق بعد الكرسي العرش ، ثم خلق بعد ذلك الهواء والظلمة . ثم خلق الماء فوضع عرشه على
الماء " والله سبحانه وتعالى أعلم .
فصل
فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي . قال الله تعالى ( رفيع الدرجات ذو العرش )
[ غافر : 15 ] وقال تعالى ( فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم )
[ المؤمنون : 116 ] وقال الله ( لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) [ المؤمنون : 86 ] وقال
( وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد ) [ البروج : 14 ] . وقال تعالى ( الرحمن على
العرش استوى ) [ طه : 5 ] وقال ( استوى على العرش ) [ الرعد : 2 ] في غير ما
آية من القرآن ، وقال تعالى ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به
ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما ) [ غافر : 7 ] وقال تعالى
( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) [ الحاقة : 17 ] وقال تعالى ( وترى الملائكة
حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب
العالمين ) [ الزمر : 75 ] وفي الدعاء المروي في الصحيح في دعاء الكرب " لا إله إلا الله العظيم
الحليم . لا إله إلا الله رب العرش الكريم . لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب
العرش الكريم " . وقال الإمام أحمد ( 2 ) حدثنا عبد الرزاق حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن
هامش
( 1 ) قال ابن العربي : " وكان عرشه على الماء " والذي عندي أنه أراد بالعرش الخلق كله - وهو بهذا المعنى وعلى الماء
بمعنى يمسكه بقدرته لا بعمد ترافده وأساس يعاضده .
( 2 ) مسند أحمد ج 1 / 206 وسقط فيه الأحنف بن قيس .