قَوْلُهُ : « لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ » بِفَتْحِ الْيَاءِ ، وَكَسْرِ الْغَيْنِ مِنَ الْغِلِّ ، وَهُوَ الضِّغْنُ وَالْحِقْدُ ، يُرِيدُ : لَا يَدْخُلُهُ حِقْدٌ يُزِيلُهُ عَنِ الْحَقِّ ، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الإِغْلالِ ، وَهُوَ الْخِيَانَةُ .
وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّهُ كَتَبَ فِي كِتَابِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ : « لَا إِغْلالَ وَلا إِسْلالَ » .
فَالإِغْلالُ : الْخِيَانَةُ ، وَالإِسْلالُ : السَّرِقَةُ ، يُقَالُ : فُلانٌ مُغِلٌّ مُسِلٌّ ، أَيْ : خَائِنٌ سَارِقٌ ، وَالسِّلَّةُ : السَّرِقَةُ .
فَأَمَّا الْغُلُولُ فِي الْغَنِيمَةِ ، وَهُوَ الْخِيَانَةُ فِيهَا فَلَيْسَ مِنْ هَذَا ، سُمِّيَ غُلُولا ، لأَنَّ الأَيْدِي مَغْلُولَةٌ عَنْهَا ، أَيْ : مَمْنُوعَةٌ ، يُقَالُ مِنَ الْغُلُولِ فِي الْغَنِيمَةِ : غَلَّ يَغُلُّ ، بِضَمِّ الْغَيْنِ ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } [ آل عمرَان : 161 ] وَيُقَالُ مِنَ الْخِيَانَةِ فِي غَيْرِهَا : أَغَلَّ يُغِلُّ ، وَيُقَالُ مِنَ الْحِقْدِ : غَلَّ يَغِلُّ ، بِكَسْرِ الْغَيْنِ .
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تِكْرَارِ الْحَدِيثِ لِلْحِفْظِ ، قَالَ النَّخَعِيُّ : إِنِّي لأَسْمَعُ الْحَدِيثَ ، فَأُحَدِّثُ بِهِ الْخَادِمَ أَدُسُّهُ بِهِ فِي نَفْسِي ، أَيْ : أُثْبِتُهُ ، يُرِيدُ أُحَدِّثُ بِهِ خَادِمِي أَسْتَذْكِرُ بِذَلِكَ .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ لِمَنْ لَيْسَ بِالْمُتَنَاهِي فِي الْفِقْهِ ، لأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدْ قَطَعَ طَرِيقَ الاسْتِنْبَاطِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِمَّنْ هُوَ أَفْقَهُ ، وَفِي ضِمْنِهِ وُجُوبُ التَّفَقُّهِ ، وَالْحَثُّ عَلَى اسْتِنْبَاطِ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَاسْتِخْرَاجُ الْمَكْنُونَ مِنْ سِرِّهِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى ، فَرَخَّصَ فِيهِ جَمَاعَةٌ ، قَالَ وَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَعِ : إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَاهُ ، فَحَسْبُكُمْ ، وَإِلَيْهِ
شرح السنة — صفحة 237
مساهمون: البغوي
ص٢٣٧