تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح السنة — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ : « نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ » ، اعْتِرَافٌ بِالشَّكِّ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَلَكِنْ فِيهِ نَفْيُ الشَّكِّ عَنْهُمَا ، يَقُولُ : إِذَا لَمْ أَشُكَّ أَنَا ، وَلَمْ أَرْتَبْ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، فَإِبْرَاهِيمُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَشُكَّ وَلا يَرْتَابَ ، وَقَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ ، وَالْهَضْمِ مِنَ النَّفْسِ ، وَفِيهِ الإِعْلامُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ قِبَلِ إِبْرَاهِيمَ لَمْ تُعْرَضْ مِنْ جِهَةِ شَكٍّ ، لَكِنْ مِنْ قِبَلِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّ الْعِيَانَ يُفِيدُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ مَا لَا يُفِيدُ الاسْتِدْلالُ . وَقَوْلُهُ : لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ، أَيْ : بِيَقِينِ النَّظَرِ . وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : { وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [ الْبَقَرَة : 260 ] أَيْ : بِالْخُلَّةِ ، يَقُولُ : إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ اتَّخَذْتَنِي خَلِيلا . وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ . وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ : { وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [ الْبَقَرَة : 260 ] أَيْ : لِيَرَى مَنْ أَدْعُوهُ إِلَيْكَ مَنْزِلَتِي وَمَكَانِي مِنْكَ ، فَيُجِيبُونِي إِلَى طَاعَتِكَ . وَقِيلَ : لَمَّا نَزَلَتِ الآيَةُ ، قَالَ قَوْمٌ : شَكَّ إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ يَشُكَّ نَبِيُّنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْقَوْلَ تَوَاضُعًا مِنْهُ ، وَتَقْدِيرًا لإِبْرَاهِيمَ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي يُوسُفَ : « لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ » وَصَفَ يُوسُفَ بِالأَنَاةِ ، وَالصَّبْرِ ، حَيْثُ لَمْ يُبَادِرْ إِلَى الْخُرُوجِ حِينَ جَاءَهُ رَسُولُ الْمَلِكِ فِعْلَ الْمُذْنِبِ يُعْفَى عَنْهُ مَعَ طُولِ لُبْثِهِ فِي السِّجْنِ ، بَلْ قَالَ : { ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [ يُوسُف : 50 ] أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ فِي حَبْسِهِمْ إِيَّاهُ ظُلْمًا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ ، لَا أَنَّهُ كَانَ فِي الأَمْرِ مِنْهُ مُبَادَرَةٌ وَعَجَلَةٌ لَوْ كَانَ مَكَانَ يُوسُفَ ، وَالتَّوَاضُعُ لَا يُصَغِّرُ كَبِيرًا ، وَلا يَضَعُ رَفِيعًا ، وَلا يُبْطِلُ