Skip to main content

بدائع الصنائع — Page 104

Contributors:

P.104
الآخر وقال رأيته يصلى في مسجد كذا وهو منكر لا تقبل ولكن يجبر على الاسلام لان الشاهدين اتفقا على وجود الصلاة منه بجماعة في المسجد لكنهما اختلفا في المسجد وذا يوجب اختلاف المكان لانفس الفعل وهو الصلاة فقد اجتمع شاهدان على فعل واحد حقيقة لكن تعتبر شهادتهما في الجبر على الاسلام لا في القتل لان فعل الصلاة وإن كان متحدا حقيقة فهو مختلف صورة لاختلاف محل الفعل فأورث شبهة في القتل والله سبحانه وتعال اعلم وأما الحكم بالاسلام من طريق التبعية فان الصبي يحكم باسلامه تبعا لأبويه عقل أو لم يعقل ما لم يسلم بنفسه إذا عقل ويحكم باسلامه تبعا للدار أيضا والجملة فيه ان الصبي يتبع أبويه في الاسلام والكفر ولا عبرة بالدار مع وجود الأبوين أو أحدهما لأنه لا بد له من دين تجرى عليه أحكامه والصبي لا يتهم بذلك اما لعدم عقله واما القصورة فلا بد وان يجعل تبعا لغيره وجعله تبعا للأبوين أولى لأنه تولد منهما وإنما الدار منشأ وعند انعدامهما في الدار التي فيها الصبي تنتقل التبعية إلى الدار لان الدار تستتبع الصبي في الاسلام في الجملة كاللقيط فإذا أسلم أحد الأبوين فالولد يتبع المسلم لأنهما استويا في جهة التبعية وهي التولد والتفرع فيرجح المسلم بالاسلام لأنه يعلو ولا يعلى عليه ولو كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا فالولد كتابي لان الكتابي إلى أحكام الاسلام أقرب فكان الاسلام منه أرجى وبيان هذه الجملة إذا سبى الصبي وأخرج إلى دار الاسلام فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه اما ان سبى مع أبويه واما ان سبى مع أحدهما واما ان سبى وحده فان سبى مع أبويه فما دام في دار الحرب فهو على دين أبويه حتى لو مات لا يصلى عليه وهذا ظاهر وكذا إذا سبى مع أحدهما وكذلك إذا خرج إلى دار الاسلام ومعه أبواه أو أحدهما لما بينا فان مات الأبوان بعد ذلك فهو على دينهما حتى يسلم بنفسه ولا تنقطع تبعية الأبوين بموتهما لان بقاء الأصل ليس بشرط لبقاء الحكم في التبع وان أخرج إلى دار الاسلام وليس معه أحدهما فهو مسلم لان التبعية انتقلت إلى الدار على ما بينا ولو أسلم أحد الأبوين في دار الحرب فهو مسلم تبعا له لان الولد يتبع خير الأبوين دينا لما بينا وكذا إذا أسلم أحد الأبوين في دار الاسلام ثم سبى الصبي بعده وأدخل في دار الاسلام فهو مسلم تبعا له لأنه جمعهما دار واحدة لان تبعية الدار لا تعتبر مع أحد الأبوين لما ذكرنا فاما قبل الادخال في دار الاسلام فلا يكون مسلما لأنهما في دارين مختلفين واختلاف الدار يمنع التبعية في الأحكام الشرعية والله سبحانه وتعالى اعلم ثم إنما تعتبر تبعية الأبوين والدار إذا لم يسلم بنفسه وهو يعقل الاسلام فاما إذا أسلم وهو يعقل الاسلام فلا تعتبر التبعية ويصح اسلامه عندنا وعند الشافعي رحمه الله لا يصح واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ أخبر عليه الصلاة والسلام أن الصبي مرفوع القلم والفقه مستنبط منه وهو أن الصبي لو صح اسلامه اما أن يصح فرضا واما ان يصح نفلا ومعلوم أن التنفل بالاسلام محال والفرضية بخطاب الشرع والقلم عنه مرفوع ولان صحة الاسلام من الأحكام الضارة فإنه سبب لحرمان الميراث والنفقة ووقوع الفرق بين الزوجين والصبي ليس من أهل التصرفات الضارة ولهذا لم يصح طلاقه وعتاقه ولم يجب عليه الصوم والصلاة فلا يصح اسلامه ( ولنا ) انه آمن بالله سبحانه وتعالى عن غيب فيصح ايمانه كالبالغ وهذا لان الايمان عبارة عن التصديق لغة وشرعا وهو تصديق الله سبحانه وتعالى في جميع ما أنزل على رسله أو تصديق رسله في جميع ما جاؤوا به عن الله تبارك وتعالى وقد وجد ذلك منه لوجود دليله وهو اقرار العاقل وخصوصا عن طوع فترتب عليه الأحكام لأنها مبنية على وجود الايمان حقيقة قال الله تبارك وتعالى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا وقال عليه الصلاة والسلام لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن وقوله إنه مرفوع القلم قلنا نعم في الفروع الشرعية فاما في الأصول العقلية فممنوع ووجوب الايمان من الأحكام العقلية فيجب على كل عاقل والحديث يحمل على الأحكام الشرعية توفيقا بين الدلائل وبه نقول والله سبحانه وتعالى أعلم وأما أحكام الايمان فنقول والله سبحانه وتعالى الموفق للايمان حكمان أحدهما يرجع إلى الآخرة والثاني يرجع إلى الدنيا أما الذي يرجع إلى الآخرة فكينونة المؤمن من أهل الجنة إذا ختم عليه قال الله تعالى من جاء بالحسنة فله
بدائع الصنائع — Page 104 | أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (الكاشاني)