شرهم عند امتداد ظلمته لأمنهم من الناس في ذلك . فتبين أنه ليس شراً بما هو ليل إنما الشر فيه وعنده لا به بما هو ليل ولا منه ، ولا يتمكن مطلوق ذوي الشر إلا في ظلمته ، فنسبة الشر إليه بهذا الوجه ، والإضافة في لسان العرب تكون بأدنى ملابسة ، قال تعالى : ( لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) ( النازعات : 46 ) والضحى ليس للعشية وإنما هما طرفان للنهار فصحت الإضافة بهذا القدر ، وقال تعالى : ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) ( سبأ : 33 ) والليل والنهار لا يمكران غنما يكون المكر فيهما ، قال معناه سيبويه ، رحمه الله .
وأما الحاسد فإن القائم بنفسه من هذه الصفة قبل أن يمضى يمكن أن ينفذها حسداً ويمكن أن ينفذها غبطة ، فإذا لا يتبين كونه حسداً إلا بعد أن يمضى ويوقع ، ألا تري اتحاد ما يقوم بالنفس أولاً من هذه الصفة . بيان ذلك أن كل عاقل - بما هو عاقل - إذا رأي نعمة على غيره من دين أو دنيا أعجبته وتمناها لنفسه ، فإن أراد زوالها عمن ظهرت عليه وانفراده هو بها فهذا هو الحسد المذموم ، وإن تمنى مثلها أو أكثر وبقاء تلك على صاحبها فهذه هي الغبطة ، وهي من صفات المؤمنين . فقد وضح أنه إنما يكون حسداً ويوصف بتلك الصفة عند ظهوره وقوعه على الصفة المذمومة وأما قبل ذلك فلا شر فيه ولا هو شر ، ألا تري أن الحساد لو قامت به تلك الفة ثم تذكر واستغفر لمن رأي النعمة به والخير وركن قله إلى ذلك لم يؤاخذ شرعاً بتلك الهمة والخطرة ، وقد نص الشترع على ذلك ، واتفق العلماء والقاضي أبو بكر ومن قال بقوله على تلقى الوارد في هذا عن الشارع ، عليه السلام ، منزلا على ما ذكرته . فلما كان حال الحسد على ما ذكر وحال الغاسق على ما تقدم ذلك وقع التقييد في الإستعاذة من شرهما بالظرف فقيل : ( إذا وقب ) و ( إذا حسد ) ، ولم يقع تقييد في الإستعاذة من شر السحرة ، وجاء كل من ذلك على ما يجب ويناسب ، ولا يمكن خلافه ، والله أعلم .
* * * * * *
ملاك التأويل — صفحة 518
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٥١٨