تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
أعمالهم من غير فوات شئ ، ثم ذكر تعالى جمعهم ليوم الجمع ، ثم أنس المؤمنين فقال : " ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً " ، وفي قوله تعالى : " ويعمل صالحاً " إشارة إلى المؤمنين الموعودين هنا ، وليس من شرطهم استيفاء أعمال الطاعات إذ يحرز التنكير في قوله : " ويعمل صالحا " ويشعر بهذا المعنى ، وما لم تكن العصمة فالتقصير حاصل ، ولا انفكاك عن مجترجات ، وقد سمع المؤمن " " لتنبؤون بما عملتم " فأشفق من تقصيره وهناته ، وتوقع مخوف سيئاته ، وتشوف إلى تعرف تفصيل الحال في المنبأ به من الأعمال ليعلم المآل ، فوجوب على الكمال بكيفية ما به تقابل أعماله فقيل : ( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ) ( التغابن : 9 ) إذ لابد من محتاج إلى تكفيره إذا كانت السلامة وسبقت السعادة ثم قال : " ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار " إلى آخر الآية ، فهذا وجه زيادة قوله تعالى : " يكفر عنه سيئاته " في هذه الآية . ويشهد لهذا المفهوم قوله تعالى : ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ) ( الأنبياء : 94 ) إلى غيرها من الآيات . وأما آية الطلاق فلا داعي فيها إلى زيادة قوله : " يكفر عنه سيئاته " بل سياقها يستدعي ألا يكون ذلك فيها لأن قبلها : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) ( الطلاق : 10 ) ، والأمر بالتقوى يعم ولا يخص ، ثم قال تعالى : ( قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ( 10 ) رَسُولًا ) ( الطلاق : 10 - 11 ) إلى قوله : ( لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ( الطلاق : 11 ) ، أشار إلى النمط الأعلى من المؤمنين المستوفين أعمال الطاعات ، أشار إلى ذلك لفظ : " الصالحات " بالألف واللام ، وهذه حال المخلصين المحسنين ( من المستجيبين ) ، ثم تدارك تعالى من لم يبلغ حال هؤلاء من المؤمنين ولحق بهم في النجاة فقال تعالى : ( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) ، فناسب حال المتقدمين من ذوي الإحسان ألا يقع إفصاح يشعر بعصيان " هم القوم لا يشقي بهم جليسهم " ، فوقع الاكتفاء بإيماء " ويعمل صالحاً " وقوله " يدخله جنات " وقوله : " قد أحسن الله له رزقا " ( الطلاق : 11 ) فجاء كل من الآيتين على ما يلائم ويناسب ، ولم يكن ليناسب ورود العكس . * * * *