تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
من ذكر جزائهم الموفى في الثانية معظمه في قوله تعالى : ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ) ( الطور : 17 ) في آيات إلى قوله : ( إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) ( الطور : 28 ) ، وحصل في هذا استيفاء كثير من جزائهم . وفي السورة قبل ما عليه يترتب ذلك من أعمالهم ، فارتبطت الآيتان ، ( وتبين ) أنه لا اختلاف بينهما . وفي ختم كل واحدة من السورتين بمثل ما به بدئت إشعار ببنائهما على ( كل ) ما قدمنا من وعيد من ذكر ، وأن ما ذكر فيهما من حال أهل الجنة أعمالاً وجزاء فلما قدم ذكره من الارتباط بين الجزاءين في آي الوعد والوعيد متى ذكر أحدهما ، والله أعلم بما أراد . الآية الثالثة - وهي من تمام ما قبلها - وذلك قوله تعالى : ( وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) ( الذاريات : 19 ) ، وفي سورة الحج : ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) ( المعارج : 24 - 25 ) ، يسأل عن وجه زيادة الصفة في سورة المعارج من قوله : ( معلوم ) وسقوط ذلك في الذاريات ؟ وهل كان يناسب عكس الوارد ؟ والجواب ، والله أعلم : أن آية المعارج قد تقدمها متصلاً بها قوله تعالى : ( إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) ( المعارج : 22 ) ، والمراد بالصلاة هنا المكتوبة ، وأيضاً يقرن بها في آي الكتاب الزكاة المفروضة ، وبها فسر المفسرون الحق المعلوم في آية المعارج . قال الزمخشري لنها مقدرة ملعومة . قلت : وليس في المال حق مقدر معلوم وقتاً ونصاباً ووجوباً غيرها ، فلما أريد بالحق هنا الزكاة أتبع بوصف يححرز المقصود ، ولما قصد في آية الذاريات غير هذا المقصد بدليل ما تقدمها من قوله تعالى : ( آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ( الذاريات : 16 - 18 ) ، فوصف هؤلاء بطول صلاتهم وتهجدهم ومداومتهم الاستغفار في الأسحار ، فذكروا بزيادة من التطوع والنفل على ما فرض عليهم و ( من الزيادة في أعمالهم على ما فرض عليهم ) مما يعد تاركه إذا تركه مهملاً ، ( فناسب هذا ) الإطلاق الوارد في إنفاقهم ليفهم الزيادة على ما فرض عليهم من الزكاة المقدرة ، ولم يكن ليناسب هنا الإشارة إلى قدر المنفوق كما في سورة المعارج ، ولم يكن عكس الوارد ليناسب ، فورد كل على ما يجب ، والله أعلم . الآية الرابعة قوله تعالى : ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) ( الذاريات : 50 - 51 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه تكرر قوله تعالى : ( إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) ؟ وعن الإنذارين : في التوجه له سبحانه في كل المطلوبات وعتماد تلقي كل من عنده ، ومن أن يشرك به سبحانه أو يعبد معه سواه ؟ فعلى
ملاك التأويل — صفحة 450 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي