تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
منها استدلال بهذا الخلق العظيم ، وما هو عليه من جليل التناسب ، وإتقان الصنعة وإحكامها من غير تفاوت ولا فطور ، على واحدانية تعالى ، وانفراده بالخلق والأمر ، واتصافه بالعلم والقدرة إلى ما يجب له تعالى من صفات الكمال ، والتعالي عن شبه الخليقة ، ولوضوح هذا الدليل ما أخبر تعالى عنهم أنهم لو سئلوا لاعترفوا فقال تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ( لقمان : 25 ) ، وأما قوله تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ( العنكبوت : 63 ) ، فمقصودها إقامة البرهان على الإحياء من بعد الموت ، وبيان ذلك بمثال ( مشاهد ) للعالم يحصل عن اعتباره جواز ما قصد تمثيله ، وبذلك أفصحت آية الأعراف في تعقيبها بقوله : ( كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ( الأعراف : 57 ) ، وذلك أبين شيء ، فقد اختلف المقصد كما تقدم . ووجه تخصيص سورة العنكبوت بهذه الآية مناسبتها لما تردد فيها وتكرر من ذكر العودة الأخراوية أو الإشارة إليها في ما نيف على عشرى مواضع ، أولها : قوله : ( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ( العنكبوت : 5 ) ، وآخرها ما ورد قبل الآية المتكلم فيها من قوله : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) ( العنكبوت : 57 ) وما اتصل بها ، وأنصّها في المقصود قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) ( العنكبوت : 19 ) إلى قوله : ( ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ) ( العنكبوت : 20 ) ، فناسب ما تردد في هذه السورة من هذه الآي إيراد آية المثال المذكورة ، ولما لم يرد في السورتين الأخريين مثل الوارد المتكرر في سورة العنكبوت لم يكن ليناسبها ورود آية المثال مناسبتها حيث وردت . والجواب عن السؤال الثاني ، وهو توجيه اختلاف الحال فيما وقع فيه التعقيب في هذه الآي ، أن ذلك مبنى على الترتيب الثابت في الكتاب العزيز ( لما ) ذكر تعالى حالهم لو سئلوا عن خلق السماوات والأرض وتسخير النيرين ، ولا إشكال فيه لمن وفق ، قال تعالى : ( فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ( العنكبوت : 61 ) أي كيف يصرفون عن الدلالة مع وضوحها ، ثم قال عقب آية لقمان : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ( لقمان : 25 ) ، وحصل مما أعقبت به الآيتان ما في قوة أن لو قيل : كيف يصرفون مع بيان الأمر ما ذلك إلا لمنعهم عن العلم : ( إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ) ( الكهف : 57 ) . وأما ختام آية الزخرف بقوله : ( لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) ( الزخرف : 9 )