تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
والجواب : أن الآية الأولى تنزلت على ما ذكر قبلها ممن أهلك من القرون والأمم السالفة بتكذيبهم للرسل ، ممن قال فيهم بعد تفصيل ذكرهم : ( وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ) ( الحج : 44 ) ، وأما الآية الثانية فوقع قبلها ذكر اسنعجالهم العذاب تكذيباً واستبعاداً في قوله : ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ) ( الحج : 47 ) ، فعرفوا بأن تأخيره عنهم إملاء للمكذبين به : ( إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ) ( آل عمران : 178 ) ، وقيل في حالهم في التكذيب واستبعاد وقوع العذاب ، قد جرى لمن قبلهم من المكذبين ثم جاءهم ما كذبوا به وحل بهم ما استبعدوه فقال تعالى : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا ) ( الحج : 48 ) ، فاستعجالهم العذاب أوجب تعريفهم بحال غيرهم ممن ناسب حالهم لعلهم يتذكرون ، يزيد ذلك بياناً قوله : ( وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) ( الحج : 48 ) ، وكأن الكلام في قوة أن لو قيل لهم : إنما يعجل من يخاف الفوت ، أمّا إذا كان مرجع الكل ومصيرهم إليه فيأخذ المكذب متى شاء ، وإن أخره فإملاه لزيادة مِحنِهَ ، فوضح ما بين الآيتين ، وأنه لا يمكن على ما تمهد وقوع واحدة منهما في موضع الأخرى ، والله أعلم . الآية الرابعة من سورة الحج قوله تعالى : ( وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) ( الحج : 47 ) ، وفي سورة السجدة : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) ( السجدة : 5 ) ، وفي سورة المعارج : ( تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) ( المعارج : 4 ) ، يسأل عن وجه الفرق ؟ وما معنى تقدير اليوم بما ذكر تعالى ؟ والجواب عنه ، والله أعلم : أن المراد تبيين أفعال سبحانه ، وأنه لا تكلف فيها ولا معالجة : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ( يس : 82 ) ، فكأن قد قيل لهم : إذا شاء هذابكم كان ، فإنه سبحانه المتعالي عن التعاون والمعالجة والافتقار ، فإذا قدر الشيء وأراد إنفاذه كان وتحصل في الوقت الوجيز القريب ، منه ما تصدرون حصوله ومعالجة وقوعه في ألف سنة من أيامكم أو ما تقدرون تهيئة ونفوذه بألف سنة من أيامكم على مألوفكم ، وإذا أراد سبحانه وقوع ذلك كان ( عن أمره كن ) أعجل من كل عاجل ، إذ ليست أفعاله كأفعال خلقه التي يحتاجون فيها إلى العون والعلاج والآلات ، تعالى الله عن شبه خلقه ، فَلِمَ يستعجلون ما لا تكلف في وقوعه وحلوله ؟ فإنما يمنع من استعجاله ربطه بأجل ، إذا بلغ الأجل كان وقوعه ، وهو يوم القيامة ، وهو الأجل المسمى ، ومن شاء تعجيل عذابه في دنياه أو ما شاء من امتحانه حل به إذا آن وقته ، وتوقفه عمن قدره عليه إملاء وزيادة في امتحانه ، ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا ) ( الحج :