تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
وخرقه ، ولا شك أن الظهور أيسر من النقب ، والنقب أشد عليهم وأثقل ، فجيء بالفعل مخففاً مع الأخف ، وجئ به تاماً مستوفى مع الأثقل ، فتناسب ، ولو قدر بالعكس لما تناسب . وأيضاً فإن الثاني في محل التأكيد لنفي قدرتهم على الاستيلاء على السد وتمكنهم منه ، فناسب ذلك الإطالة ، وهذا يفتقر إلى بسط وبيان ، مع أن الأول أولى ، فلنكتف بهذا ، والله سبحانه أعلم بما أراد . الآية السابعة : غ - قوله تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) ( الكهف : 110 ) وفي سورة الآنبياء : ( قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) ( الأنبياء : 108 ) ، فلم يقع في هذه الثانية لفظ ( أَنَا بَشَرٌ ) وورد في الأولى ، فللسائل أن يسأل عن ذلك ؟ والجواب عن ذلك : أنه لما تقدم في أول سورة الأنبياء إثبات كون الرسل ، عليهم السلام ، من البشر ، فيما حكاه تعالى من قول الكفار بعضهم لبعض : ( هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) ( الأنبياء : 3 ) ، ثم قال تعالى راداً لقولهم ، مثبتاً كون الرسل من البشر : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ) ( الأنبياء : 7 ) ، ثم تتابع في السورة ذكر الرسل من البشر ) في عدة مواضع إفصاحاً وإشارة آخرها قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) ( الأنبياء : 107 ) والخطاب لنبينا ، عليه السلام ، قال تعالى بعد ذلك : ( قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) ( الأنبياء : 108 ، فلم يحتج هنا أن يذكر كونه ، عليه السلام ، من البشر ، إذ قد توالى ذكر ذلك جملة وتفصيلا . أما سورة الكهف فلم يتقدم فيها مثل هذا ، فكان مظنة الإعلام بكونه صلى الله عليه وسلم من البشر إرغاماً لأعدائه ، ولما في ذلك من تلطفه تعالى بالحق ورحمته إياهم ، قال تعالى : ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ) ( الأنعام : 9 ) ، وقال تعالى : ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ) ( الأنعام : 8 ) ، فكون الرسل من البشر من أعظم إنعامه سبحانه على الخلق ، وخصت آية الكهف بذكر بشريته ، عليه السلام ، لما بيناه ، وورد كل ذلك على ما يناسب ، ولم يكن عكس الوارد ليناسب ، والله أعلم بما أراد . * * *
ملاك التأويل — صفحة 324 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي