تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
والجواب عن الآول : أن أية النحل بنيت على تأخير المجرورات عما تعلقت به ، وجرى الكلام جريا واحدا للتناسب والتشاكل ، فقيل : لتأكلوا منه ، وتستخرجوا منه ، ومواخرفيه . ولو قيل هنا : فية مواخر وتقدم المجرور على العامل فبه وهو مواخر اسم فاعل مجموع من المخر وهو شق السفينة الماء بحيزومها لما ناسب ما تقدم مما بنيت الآية عليه وتقدم في المجرورين قبله . أما اية الملائكة فمبنية على تقدم المجرور على ما به تعلق ( قال تعالى ) : ( ومن كل تأكلون لحما طريا ) ، وتأكلون العامل في المجرور الذي هو كل متأخر عنه ، فناسب ذلك تأخر العامل أيضا في المجرور الثاني ليتناسب الكلام ببناء أخره على ما بنى أوله ولم يكن ليصح ما لا يتناسب . والجواب عن السؤال الثاني : أن أية النحل مبنية على قصد الاعتبار وتعداد النعم وقد اجتمع في قوله تعالى : ( وهو الذي سخر البحر ) الآية ، مجموع الآمرين من الاعتبار وابداء النعمة بتسخير البحر وأكل اللحم الطري منه واخراج الحلية للباس ومخر السفن إياه للمنافع والاكتساب ، فهذهنعم جليلة ، وفى كل منها مجال للاعتبار ومتسع للتفكير والنظر ، فلما كان من مقصود هذهالآية تعداد النعم ناسب ذللك عطف بعضها على بعض لأنه مظنة اطناب وتفصيل ، فقيل : ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضله ) ( النحل : 14 ) ، والمجرور متعلق بفعل التسخير ، واستخراج الحلية ، وجرى السفن والابتغاء من فضل الله . وأما أية سورة الملائكة فبينت على ابداء القدرة وجليل الحكمة ألا ترى قوله : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ) ( فاطر : 11 ) ، ثم قال : ( وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ) ( فاطر : 12 ) ، فهذامقصود به الاعتباروالتعريف بانفراده سبحانه بخلق ذلك ابداء النعم وجليل الاحسان ، ولكن مقصود الآية وبناءها على ما ذكرنا ، ثم تجرد باقي الكلام للتعريف بالانعام والامتنان فقال تعالى : ( وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) ( فاطر : 12 ) ، فتعلق المجرور الذي هو لتبتغو باسم الفاعل المجموع اى سخرة للابيتغاء من فضلة ، فالابتغاء هنا منجر طي الكلام ، والامتناء مقصود ، ألا ترى أن مخر السفن كأنه ليس لشيء الا للابتغاء ، فلما تعلقت اللام بمواخر من حيث تحمل اللفظ معنى الفعل لم يصح دخول