Skip to main content

بدائع الصنائع — Page 211

Contributors:

P.211
الحمال بل هو في يده قال وان حمله إلى بيت صاحبه ثم أنزله الحمال من رأسه وصاحب الزق فوقع من أيديهما فالحمال ضامن وهو قول محمد الأول ثم رجع وقال لا ضمان عليه لأبي يوسف ان المحمول داخل في ضمان الحمالة بثبوت يده عليه فلا يبرأ الا بالتسليم إلى صاحبه فإذا أخطئا جميعا فيد الحمال لم تزل فلا يزول الضمان ولمحمد ان الشئ قد وصل إلى صاحبه بانزاله فخرج من أن يكون مضمونا كما لو حملاه ابتداء إلى رأس الحمال فهلك وروى هشام عن محمد فيمن دفع إلى رجل مصحفا يعمل فيه ودفع الغلاف معه أو دفع سيفا إلى صيقل يصقله باجر ودفع الجفن معه فضاعا قال محمد يضمن المصحف والغلاف والسيف والجفن لان المصحف لا يستغنى عن الغلاف والسيف لا يستغنى عن الجفن فصارا كشئ واحد قال فان أعطاه مصحفا يعمل له غلافا أو سكينا يعمل له نصالا فضاع المصحف أو ضاع السكين لم يضمن لأنه لم يستأجره على أن يعمل فيهما بل في غيرهما ولو اختلف الأجير وصاحب الثوب فقال الأجير رددت وأنكر صاحبه فالقول قول الأجير في قول أبي حنيفة لأنه أمين عنده في القبض والقول قول الأمين مع اليمين ولكن لا يصدق في دعوى الاجر وعندهما القول قول صاحب الثوب لان الثوب قد دخل في ضمانه عندهما فلا يصدق على الرد الا ببينة وإن كان الأجير خاصا فما في يده يكون أمانة في قولهم جميعا حتى لو هلك في يده بغير صنعه لا يضمن أما على أصل أبي حنيفة فلانه لم يوجد منه صنع يصلح سببا لوجوب الضمان لان القبض حصل بإذن المالك وأما على أصلهما فلان وجوب الضمان في الأجير المشترك ثبت استحسانا صيانة لأموال الناس ولا حاجة إلى ذلك في الأجير الخاص لان الغالب انه يسلم نفسه ولا يتسلم المال فلا يمكنه الخيانة والله عز وجل أعلم وأما الثاني وهو بيان ما يغيره من صفة الأمانة إلى الضمان فالمغير له أشياء منها ترك الحفظ لان الأجير لما قبض المستأجر فيه فقد التزم حفظه وترك الحفظ الملتزم سبب لوجوب الضمان كالمودع إذا ترك حفظ الوديعة حتى ضاعت على ما نذكره في كتاب الوديعة إن شاء الله تعالى ومنها الاتلاف والافساد إذا كان الأجير متعديا فيه بان تعمد ذلك أو عنف في الدق سواء كان مشتركا أو خاصا وان لم يكن متعديا في الافساد بأن أفسد الثوب خطأ بعمله من غير قصده فإن كان الأجير خاصا لم يضمن بالاجماع وإن كان مشتركا كالقصار إذا دق الثوب فتخرق أو ألقاه في النورة فاحترق أو الملاح غرقت السفينة من عمله ونحو ذلك فإنه يضمن في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يضمن وهو أحد قولي الشافعي وجه قول زفر ان الفساد حصل بعمل مأذون فيه فلا يجب الضمان كالأجير الخاص والمعين والدليل على أنه حصل بعمل مأذون فيه انه حصل بالدق والدق مأذون فيه ولئن لم يكن مأذونا فيه لكن لا يمكنه التحرز عن هذا النوع من الفساد لأنه ليس في وسعه الدق المصلح فأشبه الحجام والبزاغ ولئن كان ذلك في وسعه لكنه لا يمكنه تحصيله الا بحرج والحرج منفى فكان ملحقا بما ليس في الوسع ولنا ان المأذون فيه الدق المصلح لا المفسد لان العاقل لا يرضى بافساد ماله ولا يلتزم الأجرة بمقابلة ذلك فيتقيد الامر بالمصلح دلالة وقوله لا يمكنه التحرز عن الفساد ممنوع بل في وسعه ذلك بالاجتهاد في ذلك وهو بذل المجهود في النظر في آلة الدق ومحله وارسال المدقة على المحل على قدر ما يحتمله مع الحذاقة في العمل والمهارة في الصنعة وعند مراعاة هذه الشرائط لا يحصل الفساد فلما حصل دل انه قصر كما نقول في الاجتهاد في أمور الدين الا أن الخطأ في حقوق العباد ليس بعذر حتى يؤاخذ الخاطئ بالضمان وقوله لا يمكنه التحرز عن الفساد الا بحرج مسلم لكن الحرج إنما يؤثر في حقوق الله عز وجل بالاسقاط لا في حقوق العباد وبهذا فارق الحجام والبزاغ لان السلامة والسراية هناك مبينة على قوة الطبيعة وضعفها ولا يوقف على ذلك بالاجتهاد فلم يكن في وسعه الاحتراز عن السراية فلا يتقيد العقد بشرط السلامة وأما الأجير الخاص فهناك وان وقع عمله افسادا حقيقة الا أن عمله يلتحق بالعدم شرعا لأنه لا يستحق الأجرة بعمله بل بتسليم نفسه إليه في المدة فكأنه لم يعمل وعلى هذا الخلاف الحمال إذا زلقت رجله في الطريق أو عثر فسقط وفسد حمله ولو زحمه الناس حتى فسد لم يضمن بالاجماع لأنه لا يمكنه حفظ نفسه عن ذلك فكان بمعنى الحرق الغالب والغرق الغالب ولو كان الحمال هو الذي زاحم الناس